حين تتكلم الذات عن نفسها

حين تتكلم الذات عن نفسها

بقلم: د. طالب بن خليفة الهطالي

منذ أن وعى الإنسان ذاته، لم يعد وجوده مجرد استجابة غريزية، بل صار ساحةً لصراع مستمر بين ما هو عليه وما يُنتظر منه، وبين ما يشعر به وما يُفترض أن يُظهره. إنه صراع لا يُرى بالعين، لكنه يستهلك الداخل بصمت مرهق؛ ففي كل قرار يتجدد هذا التوتر بين الذات الحقيقية والذات الاجتماعية، وبين الرغبة في الصدق والخوف من الخروج عن المألوف.

فليس الألم دائمًا عطبًا في الجسد، بل كثيرًا ما يكون انعكاسًا لانفعالات لم تجد لغتها. وفي علم النفس يُعرف هذا بـ”التجسيد النفسي”، أما في الفلسفة، فهو صراع بين الحرية والتمثيل، بين من نكون فعلًا، ومن نخشى أن نكونه.

لا يُعدّ التردد ضعفًا، بل أثرًا جانبيًّا لحساسية الوعي. وما يُنهك الإنسان ليس الصراع ذاته، بل محاولته إنكاره. فالصراع ليس عيبًا ينبغي إخفاؤه، بل علامة على أن شيئًا في الداخل ما زال حيًّا، يرفض أن يُختزل في قناع. وهنا يعود السؤال الجوهري الذي طرحه سقراط: “اعرف نفسك”، سؤال يُلخص جوهر التمزق الإنساني؛ أن تتحرر من قوالب الآخرين لتكتشف من تكون حقًّا.

ما يبدو أحيانًا سلوكًا غريبًا أو قرارًا مباغتًا، قد لا يكون سوى صوت داخلي تاه عن لغته، فتسلل إلى الأفعال متنكّرًا في هيئة انسحاب، أو انفعال، أو لا مبالاة. وقد أشار عالم النفس كارل يونغ إلى أن “ما لم يصبح واعيًا، سيظهر في حياتك على شكل قدر”، فالصراع المكبوت لا يتلاشى، بل يُعاد تمثيله في سلوكنا دون وعي. وحين يطول الصمت، لا ينفجر الإنسان، بل يبهت؛ يؤدي أدواره بلا شغف، ويضحك بلا فرح، ويتكلم بكلمات لا تشبهه.

هذا الخدر العاطفي ليس استقرارًا، بل علامة على روح أرهقها الصراع حتى انسحبت إلى الظل. وهنا، لا يُفضي الصراع إلى قرار، بل إلى حالة من التردد المزمن، حيث تبدو كل خطوة وكأنها خيانة لصوت داخلي لم يُحتوَ. فالخيارات ليست صعبة في ذاتها، بل لأنها لا تشبه الذات بما يكفي.

وهكذا يتحول “التعليق الوجودي” من مؤقت إلى دائم، والتردد إلى نمط يخنق القدرة على الاختيار.

وحين يعجز الإنسان عن الحسم، لا يكون سكونه استسلامًا، بل مراوغة داخلية ذكية تتقن التخفي. لا يكذب على نفسه، لكنه يُهدّئ ارتباكه بالهمس: “الوقت لم يحن بعد، الصورة ما زالت غير مكتملة”. وفي الحقيقة، لا يهرب من القرار ذاته، بل مما قد يكشفه القرار عنه.

وهنا تبدأ آليات الدفاع النفسية بالعمل في الخفاء؛ يغرق في التفاصيل اليومية، يتكئ على آراء الآخرين، أو يتخذ قرارات سطحية ليسكت صخبًا لم ينضج بعد إلى كلام.

لكنها حلول مؤقتة، لا تُنهي الصراع، بل تؤجله في هيئة سكون زائف، تتراكم فيه طبقات التشويش فوق نواة الصوت الأصلي. ومع الوقت، تتحول هذه المراوغة من وسيلة لتخفيف الألم إلى أسلوب حياة خانق، يُقصى فيه الصدق لصالح سلامٍ مؤقت، ويُؤجل فيه الاعتراف حتى تختنق الذات بصمتها الطويل، لا لأنها تجهل الحقيقة، بل لأنها خافت أن تنظر إليها مباشرة.

أن تُصارع لا يعني أنك ضائع، بل أنك حي.
فالصراع الداخلي ليس خللًا عابرًا، ولا عرضًا نفسيًّا ينبغي إزالته، بل هو علامة يقظة، وبصمة لذات ترفض أن تُختصر في دور واحد أو تُختزل في إجابة جاهزة.

أولئك الذين لا يصارعون أنفسهم، قد يكونون قد تصالحوا مع الزيف، أو أطفؤوا أسئلتهم لأن الجواب كان مرًّا.
أما الذين يشعرون بالتمزق، فلأن فيهم شيئًا لا يزال يُقاوم الاستسلام.

الصراع لا يُضعفنا كما نظن، بل يُعرّينا من الزيف، ويقودنا إلى حقيقة ما نحمله في الداخل. ففي كل مواجهة مع الذات، تنكشف طبقة دفنتها العادة، رغبة خنقت، أو قناع تم التصالح معه، أو سؤال مؤجل عن الهوية.

وهكذا يبدأ النحت البطيء للحقيقة الشخصية، لا دفعة واحدة، بل مع كل لحظة تردد، وكل سؤال داخلي خافت يسأل:
هل هذا أنا حقًّا؟

ليس المطلوب أن نحسم صراعنا بسرعة، ولا أن نبلغ اليقين فورًا. فبعض المعارك لا تحتاج إلى حلول، بل إلى اعتراف بوجودها. أن تقول “لا أعلم بعد” ليس عجزًا، بل شجاعة في وجه وهم التماسك. ما يُنهك النفس ليس الانقسام، بل إنكار الانقسام. وليس الاضطراب، بل السعي المحموم لإخفائه خلف قناع مصقول.

السلام لا يُولد من قمع الأصوات المتضادة، بل من الإنصات لها بحنان لا يدّعي الفهم، بل يمنحها مساحة للظهور. حتى حين يبدو الإنسان مستقرًا، يبقى الصراع حاضرًا، لا كفشل، بل كعلامة وعي، وكجزء لا ينفصل عن نبضه الداخلي. قد يتغير وجه الصراع، وتتبدل لغته، لكن جوهره يبقى رغبة عميقة في ألا نخون أنفسنا، حتى وإن لم نعرف بعد من نكون تمامًا.

فالألم هنا لا يدل على ضعف، بل على صدق، لأن من يتألم هو من رفض أن يتحول إلى نسخة مصقولة في عالم يكافئ التقليد ويعاقب الأصالة،ومن يُصارع لا يُدمر ذاته، بل يحاول أن يصونها من الذوبان.