بقلم: نورة الدرعية
هناك مرحلة من الوعي لا يصل إليها إلا من خاض كثيرًا من الدروس والتجارب وخيبات الأمل، وتعلم كيف ينجو من نفسه قبل أن ينجو من الآخرين! مرحلة تسمى باللامبالاة الصحية وهي ليست برودًا ولا قسوة بل وعي وسلام داخلي.. في هذا المرحلة لا تهتم بتفسير كل تصرف ولا تبرير أي موقف، ولا تهتم لأسباب غياب الناس أو تغيرهم لأنك ببساطة أدركت أن الحياة تمضي ولست مضطرًا لتحمل كل هذا الثقل في قلبك.
في هذه المرحلة تتعلم أن تجعل علاقاتك بسيطة وواضحة، تتقبل فكرة أن البعض سيأتي ليبقى وآخرون سيأتون ليعلموك درسًا ثم يمضون. توقّف عن التعلق بمن لا يريد البقاء وكف عن لوم نفسك على ما لم يكن بيدك تغييره!
اللامبالاة الصحية لا تعني التجاهل أو القسوة بل هي أن تمنح الأمور حجمها الحقيقي لا أكثر؛ أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت متى تبقى ومتى ترحل دون أن تشعر بأي ذنب. هي أن تفصل بين ما يستحق طاقتك وما لا يستحق حتى لحظة من تفكيرك. في هذه المرحلة بالذات تتغير نظرتك للحياة لم تعد تبحث عن الكمال في الناس لأنك تعلم أن النقص جزء من طبيعة البشر ولا تنتظر من أحد أن يملأ فراغك لأنك اكتشفت أنك وحدك من يستطيع أن يفعل ذلك؛ امتلأت بالطمأنينة التي لا يمنحها إلا التصالح مع النفس. وحين تصل إلى هذا المستوى من السلام تبدأ تدرك أن كل ما خسرته لم يكن خسارة بل طريقًا نحو وعي أعمق بنفسك، تبدأ بحب وحدتك لأنها لم تعد ثقلًا بل راحة، ولم تعد تخاف من الصمت لأنه لم يعد فراغًا بل مساحة صافية بينك وبين نفسك. تتغير موازينك لم تعد تبحث عن الأحاديث الطويلة بل عن صدق كل كلمة، لم تعد تلهث خلف المجاملات بل تكتفي بالعلاقات الحقيقية الصحية، لم تعد تفرح بالازدحام بل بالاختصار.
تعلمت أن السلام أغلى من أي وجود، وأن الهدوء أعظم من كل الضجيج حولك
وهناك يقين داخلي يتكون ببطء أن الروح التي تشبه روحك ستجدك مهما ابتعدت دون مجهود ولا تخطيط لأن الأرواح المتشابهة تتناغم دون إعلان وتلتقي في اللحظة التي كتب الله لها اللقاء. حينها لا تكون مضطرًا لإقناع أحد بك ولا لإثبات قيمتك لأنك أصبحت تعرفها جيدًا.
إنّ الوصول إلى اللامبالاة الصحية لا يحدث فجأة بل هو حصيلة سنوات من التقلُّب بين التوقع وخيبة الظن بين التعلق والفقد. ومع كل تجربة تولد فيك نسخة جديدة أكثر هدوء ونضجًا ورضًا؛ نسخة تتعامل مع العالم دون حدة، ودون خوف، ودون انتظار نسخة ترى الجمال في البساطة، والإثراء في الصمت، والنضج في الترفّع عن كل ما لا يشبهها.
في النهاية، اللامبالاة الصحيّة ليست دعوة للبرود بل دعوة للاتزان. أن تعيش بقلبٍ هادئ لا يبالغ في الحزن، ولا يفرط في الفرح ولا يركض خلف أحد ولا يهرب من نفسه. هي فنّ البقاء بخفّة والعيش بسلام والنظر للحياة بعينٍ تفهم أن كل ما يحدث فيها يحدث لخيرٍ أكبر، وإن لم نفهمه الآن.




