حِلّة الكحاحيل.. حين يتحدث التراث بلسان البحر والنخل

بقلم: عصماء بنت محمد الكحالية

في أقصى رمال ولاية صحم، حيث يمدّ البحر أنامله على وجه الأرض، تنهض حِلّة الكحاحيل كأنها صفحة من كتاب الزمان؛ لم تغلقها التحوّلات، ولم يبهتها غبار الحداثة.
هي قرية صغيرة بمساحتها، لكنها عميقة الجذور، تشكّل أنموذجًا نادرًا لقريةٍ عُمانية احتفظت بروحها رغم تغيّر الوجوه والمواسم.

هوية المكان.. بين البحر والنخل
منذ قرون، شكّل البحر والنخيل محور حياة أهل الحِلّة، فالصياد يخرج فجرًا متوكّلًا على الله، بينما تنحني النخلة خلفه شاهدةً على رزقه وصبره.
إنها ثنائية الحياة في القرى العُمانية الساحلية: رزقٌ من البحر، وظلالٌ من النخل، ورضا يسكن القلوب.
ورغم التطور العمراني الذي بدأ يغيّر ملامح صحم، فإن حِلّة الكحاحيل ظلّت تحتفظ بإيقاعها الخاص، وكأن الزمن فيها يسير على مهلٍ احترامًا لهيبتها القديمة.

مجلس الكحاحيل.. مؤسسة اجتماعية قبل أن يكون مجلسًا
في قلب القرية يجلس مجلس الكحاحيل، ليس كمكانٍ للحديث فقط، بل كـ”مؤسسة اجتماعية” تنبض بالحكمة والاتحاد، ومنه تُدار المناسبات وتُحلّ الخلافات، فالمجلس في الثقافة العُمانية ليس مبنى من طين أو إسمنت، بل رمزٌ للتشاور والمساواة، وهو هنا شاهدٌ على أن الديمقراطية الاجتماعية في عُمان بدأت من المجالس قبل أن تكتبها القوانين.

الجامع والمقبرة.. بين الدعاء والذكرى
يُطلّ جامع الحِلّة بجمالٍ بسيط، يحتضن الناس في صلواتهم، ويجمعهم في المناسبات الدينية والاجتماعية، لتبقى المآذن شاهدةً على صفاء القلوب.
أما المقبرة المجاورة، فليست مكانًا للموت، بل صفحة مفتوحة من كتاب الوفاء، فيها يسكن من بنوا القرية، وتنهض منها دروس الحياة لأبنائها: أن الكرامة والبساطة وجهان لحقيقة واحدة.

فريج المعامرة.. الامتداد الاجتماعي للحِلّة
يمثل فريج المعامرة جزءًا لا ينفصل من النسيج الاجتماعي للكحاحيل، فالأسر تمتد كأغصان شجرة واحدة، تجمعها الروابط العائلية والذكريات المشتركة.
لا غرابة إذًا أن تبقى هذه المنطقة عنوانًا للتماسك العُماني، حيث يُعرّف الناس بأنسابهم وأفعالهم قبل أسمائهم.

التحوّلات الحديثة.. وشاطئ الحِلّة
اليوم تتطلع الحِلّة نحو المستقبل بمشروعات تنموية واعدة، منها مشروع شاطئ الحِلّة الذي يمثل نافذةً سياحيةً جديدة تعزز اقتصاد المنطقة دون أن تمسّ روح المكان، هذا التوازن بين التنمية والأصالة هو سرّ بقاء القرية حيّة، لأن التطوّر الحقيقي لا يُقاس بعدد الأبراج، بل بقدرة الإنسان على أن يحافظ على جذوره وهو يخطو نحو الغد.

عبق البقاء.. وذاكرة الأرض

حِلّة الكحاحيل ليست قريةً فقط، بل حالة وجدانية تختصر معنى الانتماء للأرض، ففي كل زاويةٍ منها قصة، وفي كل نخلةٍ ظلٌّ لجدٍّ رحل وبقي أثره، وحين تسير في أزقتها الضيقة، تشعر أن الجدران ما زالت تحفظ الأصوات القديمة: صوت الأم وهي تدعو، وصوت البحّار وهو يغنّي للريح قبل إبحاره.

إنها قرية تعلّمنا أن البساطة ليست ضعفًا، بل قوة الجذور، وأن الأصالة لا تُصنع في المتاحف، بل تُحيا في وجوه الناس وسلوكهم، وفي زمنٍ تتسارع فيه الحداثة، تبقى حِلّة الكحاحيل مثل حبّة لؤلؤ في صدفة الزمن، تلمع بصمت، شاهدةً على أن في عُمان أماكن لا تشيخ… لأنها ببساطة، تحب الحياة.