هكذا نعيش، كأننا لم نُهزم أبدًا

بقلم: هيان البلوشي

في زمنٍ يزداد فيه الضجيج، وتُخفى الهزائم تحت أقنعة يومية، تأتي هذه المقالة كأنين ناعم من روحٍ تمشي فوق شوك الحياة… لكنها تبتسم.

أيتها الحياة…
ما بالُكِ ثقيلةُ الخطى؟
وما بالُنا نُحبّكِ رغم ما فعلتِ بنا؟
نصحو كل صباح على عبءٍ لا اسم له،
نبتلع الصمت كما نبتلع القهوة المُرّة،
نمضي… نمضي فقط، لأن الوقوف يشبه الموت أكثر من التعب.

يا كبدَ الحياة…
خفّفي الوطءَ قليلًا،
نحن لسنا صخورًا ولا رمادًا،
نحن بشر، قلوبنا تنكسر بصمت،
ونُصلِحُها بمزيدٍ من الصمت.
أتعرفين؟
أحيانًا نضحك، لا لأن شيئًا مضحكًا قد حدث،
بل لأننا تعبنا من البكاء.

في داخلي رجلٌ هادئ،
يمشي في ممرات الحياة كما لو أنه في جنازة…
يبتسم، ويُسلّم، ويكتب تقارير العمل،
لكنه في كل خطوة، يُشيّع جزءًا منه مات.

ما الذي يجعلنا نواصل رغم الانكسار؟
العادة؟
اللاجدوى؟
أم أن فينا شيئًا من الجنون الجميل،
ذاك الذي يجعل العصفور يغنّي حتى وهو مبلول تحت المطر؟

تتظاهر الحياة أنها لا ترانا،
فنُسايرها، نخفي وجعنا بأناقة،
نضع بعض العطر على شقوق الروح،
نلبس “السترَةَ الاجتماعية”، ونخرج.
نضحك حين يضحكون،
نصفّق حين يُطلب منا،
لكن داخلنا؟
هناك شيءٌ لا يُرمم.

أرأيتِ كيف نمشي؟
نجرّ قلوبنا كما يجرّ الطفلُ حقيبةً أكبر منه،
نقول “الحمد لله” ونحن نعلم أن الألم يقف خلف الأبواب،
لكننا نُصرّ أن نؤمن أن الغد لا بدّ أن يكون أجمل،
وإلّا… لمَ كل هذا الانتظار؟

يا كبدَ الحياة…
هل تذكرين أول مرة انهزمنا؟
كنا صغارًا، لا نفهم لماذا يذهب الأحباب،
لماذا تفشل المحاولات،
لماذا الحب لا يكفي؟
ثم كبرنا…
وأدركنا أن الخسارات لا تطرق الباب،
بل تدخل دون استئذان، وتجلس طويلًا!

ما أقسى أن تحمل روحك كل هذا التعب،
ثم تُجبرها على الابتسام حتى لا تقلق الآخرين.
أن تُهدّئ غيرك وأنت تغلي،
أن تقول “أنا بخير” فقط لأن لا وقت للشرح.

لكننا… رغم ذلك،
نحب الحياة، ونخاف عليها،
نخشى فواتها أكثر مما نخشى وجعها.

ففي لحظة صدق، سنعترف:
نحن لا نُريد الموت،
نُريد حياة أقلّ قسوة فقط،
حياة تُعانقنا، لا تدفعنا كلّ صباح.

هل تدري؟
نحن لا نحتاج معجزة،
نحتاج كوب شاي دافئ وصمتًا مطمئنًّا،
نحتاج يدًا على الكتف، لا تُحلّ المشاكل، لكن تقول “أنا هنا”.

نحتاج أن نُؤمن أن التعب ليس عيبًا،
أننا لسنا آلات،
أن الضعف جزء منّا، لا ضدّنا.

يا كبدَ الحياة…
لو تعلمين كم منّا يُصارع في صمت!
كم من قلبٍ يمشي مُنهكًا،
لكنّه يُصرّ على أن يُمسك بالحياة من عنقها،
ويقول لها: “لن تُسقطيني اليوم”.

في كل بيت، هناك حرب غير مُعلنة،
هناك من يبكي بعد منتصف الليل،
من يكتب ولا يُرسل،
من يحلُم ويُخبّئ حلمه، لأنه لا وقت للحلم!

لكننا… رغم كل شيء،
ننهض كل صباح،
نمشّط وجوهنا بالابتسامة،
نلبس “قناع القوة”، ونقول:
صباح الخير، يا كبد الحياة.

أتعرفين لماذا؟
لأن فينا روحًا لا تُهزم،
وروحًا أخرى تنكسر كل ليلة… وتُجبر نفسها بنفسها.

وهكذا…
نمشي، ونعيش، ونحلم،
كأننا لم نُهزم أبدًا.