حكايتي مع مُسنّة

بقلم /سميرة أمبوسعيدية

تبدأ حكايتي اليوم مع امرأة مسنّة، حكاية كُتبت فصولها من وجعٍ صامت، وتعكس واقعًا مؤلمًا آل إليه حال بعض الأبناء في التفريط بحقوق والديهم، وكأن البر صار ترفًا، والعقوق أمرًا عاديًا لا يُستحيا منه.

كان لقاؤنا عابرًا في ظاهره، عميقًا في أثره؛ إذ كنت متجهة لزيارة أحد أقربائي، وهناك التقيت بتلك المرأة، إحدى جارات قريبتي، تقطن بالجوار.. صافحتها وتبادلت معها حديثًا خفيفًا، لكن سرعان ما انكشف ما وراء السكينة الظاهرة، بدأت تتمتم بصوتٍ متهدّج، نبراته مثقلة بالوهن، وكأن حنجرتها تحمل سجلّ عمرٍ كامل من القهر المكبوت.. ثم فجأة، أطلقت عبارتها كصرخة خرجت من عمق الروح لا من الفم:
«ضربني ولدي… وأنا صائمة».

ساد المكان ذهول ثقيل، وتجمّد الحضور بين إنكار وصدمة، بينما راحت تكرر عبارتها مرارًا، كأنها تحاول أن تُقنع نفسها قبل غيرها بما حدث.. هرعت إحدى قريباتها تحاول إسكاتها، لا بدافع الرحمة، بل خوفًا من انكشاف المستور، وسحبتها بعيدًا، بينما بقيت المرأة تهمهم بكلماتها، تجرّ خلفها خيبة العمر.

في تلك اللحظة أدركت أن في صدرها حزنًا عتيقًا، وأنها كانت تتوق لأن تجد أذنًا تصغي، لا يدًا تُكمم.. استغربت ذلك الإصرار على إسكاتها، فخلف الصمت كانت هناك مأساة أكبر.. غمرني شعور بالعجز والأسف؛ لأننا لم نتمكن من تخفيف شيءٍ من ثقلها.. حاولت لاحقًا أن أزورها في بيتها وأسأل عنها، لكنني ترددت خشية الإحراج أو الصدّ، فاكتفيت بالدعاء لها أن يجبر الله كسر قلبها، ويمنحها سكينة تُنسيها ما ذاقت.

ومضت الأيام مسرعة، إلى أن شاء القدر أن يجمعني بها مجددًا، لكن هذه المرة في المستشفى المرجعي.. وجدتها طريحة الفراش، منهكة الجسد، لا تقوى على حركة ولا كلام، ترافقها أحد أقربائها.. لم أحتمل المشهد، خانني صبري، وساقني فضولي الإنساني للسؤال عنها.. أجابني قريبها بصوت متهدّج:
«حسبنا الله، لقد عانت ما تعجز الجبال عن حمله».

وبدأ يسرد لي ما لم تكن الكلمات قادرة على احتماله؛ قال إن هذه الأم، قبل أيام من رمضان، قررت أن تترك بيتها وتذهب إلى منزل ابنها لتقضي الشهر الفضيل بين أحفادها، ولم تكن تعلم أنها مقبلة على أقسى أيام عمرها..
في نهارٍ من نهارات رمضان، وأثناء حديثها مع حفيدتها، بادرتها بنقدٍ بسيط على تصرفٍ ما، فما كان من الحفيدة إلا أن نقلت الأمر إلى والديها.. أتى الابن مسرعًا، وانهمر على أمه بوابل من الألفاظ الجارحة التي لا تُقال لغريب، فكيف بأم؟ حاولت الدفاع عن نفسها، فما كان منه إلا أن ركلها بقدمه، وأسقطها أرضًا..

بكت الأم، وانهار قلبها قبل جسدها، ليقابلها بقسوة أشد:
«لا مكان لك في بيتي».
جمع أغراضها وأدويتها، وأخذها إلى بيت أخته، التي لم تكن ألين قلبًا ولا أرحم حالًا؛ إذ ردّت عليه ببرود جارح:
«خذ أمك بعيدًا، أنا مشغولة بأولادي وزوجي».
صرخت الأم، وقد بلغت بها الخيبة منتهاها:
«خذوني إلى أبناء أخي… لعل قلوبهم أحن، فأنا عمتهم وربيتهم».
وبلا حياء ولا اعتبار لحرمة الشهر الفضيل، طرقوا باب أبناء الأخ، وألقوا بالأم بينهم قائلين:
«هذه عمتكم… خذوها».
احتضنها ابن أخيها، وأدخلها بيته مكرّمًا، وأحسن رعايتها، وقضت معهم الشهر الفضيل، حتى اقترب العيد، فحنّ قلبها لأولادها، وغلبتها عاطفة الأمومة.. نسيت جراحها، وطلبت من ابن أخيها أن يتواصل مع ابنها لتقضي العيد بينهم، متعهدة بالصمت وعدم التدخل في شؤونهم، لكن الرد جاء قاسيًا، بلا ذرة ندم:
«لا مكان لها عندنا… اتركوها حيث هي».
حلّ العيد، وكانت تبكي هجران أبنائها، نحاول مواساتها فلا نجد إلى قلبها سبيلًا.. حتى سقطت أرضًا من شدة القهر، وأُصيبت بجلطة دماغية أفقدتها الحركة والكلام.. أصبحت أسيرة الفراش، مشلولة الجسد، مخنوقة الصوت، تردد في داخلها وربما في وجداننا جميعًا عبارتها الأخيرة:
«ضربني ولدي وأنا صائمة».
أتساءل:
كيف تنام قلوب أبنائها؟ كيف ينظرون إلى أنفسهم في المرآة؟ ألا يخجلون من أمٍ ترقد بين الحياة والموت؟ ألا يخافون حصاد ما زرعوه في نفوس أبنائهم؟ ألا يتمنون أن تسبقهم كلمة «سامحتكم» قبل أن تُغلق الصحيفة؟ أم ستغادر هذه الدنيا، وقلبها مثقل بخذلان أبنائها، ومطمئن ببرّ أبناء أخيها؟ نسأل الله أن يلطف بها، ويجبر كسرها.
وفي ختام حكايتي أقول:
هنيئًا لكم يا أبناء الأخ، ببرّكم العظيم بعمتكم، فصنائع المعروف لا تضيع، ولو بعد حين، والله لا ينسى من أحسن، ولو نسيه البشر.