بقلم: سميرة أمبوسعيدية
بسم الله أواصل معكم سلسلة “حكايتي مع مسن”، وحكايتي اليوم مع رجل تجاوز التسعين من عمره. ترددت كثيرًا قبل أن أكتب قصته، لكن الموقف الإنساني كان أقوى من التردد، فآثرت أن أسرد لكم شيئًا مما رأيت… لعل في الحكاية تذكرة للأبناء ورسالة للأحفاد.
جلست مع مسنٍ طاعن في السن، ضعيف الجسد، يعاني من مرضي الضغط والسكري، لكنه – ولله الحمد – حاضر الذهن سليم العقل. كان الحزن واضحًا على ملامحه، فسألته عن صحته، فحمد الله وشكره، ثم قال بصوتٍ متعب: “يا ابنتي… لم أعد أحتمل هذا الحال.”استجمعتُ انتباهي لكلماته، فأكمل قائلاً: “أبنائي الخمسة في خلاف دائم… ليس حول خدمتي أو راحتي، بل حول من يأخذني إلى بيته أيامًا. وليس هذا ما يؤلمني… إنما يؤلمني حين أسمعهم يتجادلون في النفقة عليّ، وأسمع أحدهم يقول: قبل أن آخذ أبي إلى بيتي، هل ستساعدونني في الإنفاق عليه؟”
وقفت لحظة أتأمل حال هذا الرجل… هل يأكل أكثر منهم؟ أم يلبس أفخم منهم؟ أم يطلب ما يثقل عليهم؟ بل على العكس… كانت ملابسه بسيطة بالية، بينما بدا أبناؤه في حالٍ معيشية أفضل منه بكثير.
يا للعجب! أيعقل أن يصل بنا الحال إلى أن تُحسب نفقة رعاية الأب عبئًا؟ أين ذهبت تلك الأيام حين كان الأب يشتري الدفاتر والأقلام لأبنائه ليكملوا تعليمهم؟ أين اختفت تلك اللحظات حين كان يقتطع من قوته ليشتري لهم ملابس العيد ليرى الفرح في عيونهم؟ يومها لم يطلب منهم نفقة، ولم ينتظر مقابلًا… كان همه الوحيد سعادتهم.
وبينما نحن نتحدث، دخل أحد الأبناء ومعه ابنه ذو الخمسة عشر عامًا ليأخذ جده إلى بيته. لكن ما زاد المشهد ألمًا أن الحفيد بدأ يجادل أعمامه قائلًا: “إذا جاء جدي معنا، فعليكم أن تساعدوا والدي في الإنفاق عليه.”
حينها أدركت أن ما يُزرع اليوم في قلوب الأبناء، يُحصد غدًا في سلوك الأحفاد. لم يكن من حقي أن أتدخل كثيرًا، لكنني همست للأب: “ليس من الأدب أن نُعلّم أبناءنا جفاء القلوب تجاه أجدادهم.”
استأذنت بالرحيل، وغادرت وأنا أحمل في قلبي حزناً كبيرًا على ذلك المسن، الذي لم يُتعبه المرض بقدر ما أتعبه ما رآه من صراع أبنائه.
يا له من مشهد مؤلم… حين ترى ثمار التربية تنعكس في الأحفاد كما زُرعت في الأبناء. فإن لم تستطع – أيها الابن – أن تمنح والديك كامل وقتك بسبب مشاغل الحياة، فعلى الأقل علّم أبناءك حب أجدادهم، وربِّهم على احترامهم وخدمتهم، وذكّرهم أن الجد بركة البيت، ووجوده رحمة وسكينة لأهله.
وفي ختام حكايتي… أسأل الله أن يلين قلوبنا لكبار السن، وأن يجعلنا اليد الحانية التي ترعى الآباء والأمهات. وأن يكون الأحفاد بهجة قلوب أجدادهم وراحة أعمارهم، وأن يكون البر بينهم قائمًا على الحب والرحمة. ولا تنسوا… البيوت التي يسكنها كبار السن، تسكنها البركة. فكن قريبًا منهم… يكن الله معك ببركة البر.
دمتم في أمان الله.




