بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية
بين ضفاف نهر إشبيلية وقبور الغربة في أغمات، نُسجت واحدة من أعظم قصص الحب الأندلسية، حيث بدأت الحكاية ببيت شعر قرب وادٍ مر منه ملك أشبيلة، ولم يستطع وزيره إكماله إذ قال بعدما رأى تموج الماء:
حاكت الريح من الماء زرد
فسمع صوت نسائي يرد عليه:
أي درع لقتال لو جمد
فأعجب بذكاء وفطنة تلك المرأة، فقد خطفت قلبه ببراعة ردها وفطنة قولها، وكانت تلك هي الجارية اعتماد الرميكي، فاشتراها وأعتقها ثم تزوجها وجعل منها ملكة، بل واشتق لقبه المعتمد من اسمها، حتى ذكر أنه بلغ حبه لها حدود الخيال؛ فحين تمنت رؤية الثلج، أمر بزرع جبال إشبيلية بأشجار اللوز لتزهو بالبياض، وحين اشتهت المشي في الطين، أمر بعجن أطنان من المسك والكافور بماء الورد لتلعب فيه، وهو اليوم الذي خُلّد في التاريخ بـيوم الطين، لكن بعد إن ودع المعتمد بن عباد حياة القصور وأجمل الدور وشعر بالذل والهوان رثا نفسه قائلًا:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدة
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ويُحكى أن زوجته أعتماد غضبت منه بعدما ذاقت الفقر والعوز وأوجعها سوء المنقلب فقالت: ما رأيتُ منك خيراً قط، فقال لها معاتباً: ولا يوم الطين؟ فاستحيت وسكن غضبها، هي لم تتصور يومًا عاقبته ما آلت إليه من ذل وأسر في منفى أغمات بالمغرب، فهناك في السجن، لم تتحمل إعتماد عودتها لحياة الخدم وعذاب الأسر فماتت قهراً، ولم يتحمل المعتمد فراقها فلحق بها بعد أيام قليلة، ليدفنا جنباً إلى جنب.
نقلت القصة بتصرف من موقع (aljazeera.net) للكاتب أيوب واوجا.
سؤال:هل دار في خلد ملك إشبيلية وزوجته أن القدر يخبئ لهما الفقر والفاقة ووحشة المنفى، ومرارة الإنكسار؟ بعد رغد القصور وفيض السرور والحبور بالتأكيد لا.
هي هكذا الحياة في تغير وتبدل مستمر، ولا يقتصر هذا على عروش الملوك فحسب، بل يمتد ليمس حنايا أرواحنا وفي أوثق علاقاتنا، فنجد أن في ثنايا تفاصيلنا الصغيرة، أثارًا تركها راحلون، أسماء حفرت، ووجوه رسمت، وذكريات ما زالت تسكننا، وكأنها تأبى الرحيل، ولكن حين نمعن النظر بمرور الوقت، ندرك حقيقة أن كل شيء تبدل ولم يعد كما كان، وأننا نحن كبشر نحاول أن نخلد الذكرى في عالم مبني على التشييع المستمر، ونتناسى حقيقة أن كل آت وإن طال مكوثه، هو راحل لا محالة، وهذا ما نلمسه أيضًا في واقع حياتنا الإجتماعية، فكم من شخص اعتبرناه الطرف الأقوى ونجد أن الجميع يلجأون إليه، ثم يمر بظروف صحية أو معنوية تجعله في أوج الإحتياج للكلمة الطيبة وحنُو المواساة، وهو من كان بالأمس يطلب الجميع وده، وهذا ما ينطبق على ذلك الرياضي الذي كان يزهو بعضلاته وسرعته، وتلك العارضة الشابة التي كانت تتباهى بجمالها وحيويتها، ثم يباغتهم مرض أو تقدم في السن؛ فيتحول التركيز من لفت الأنظار إلى طلب العافية، وهذا ما ذكره لنا جل جلاله في كتابه حين قال “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً” (سورة الروم، الآية ٥٤) وهذا نص صريح يضعنا أمام حتمية التغيير البشري في أوج صوره؛ فالحياة تبدأ بضعف الطفولة، ثم تتوهج بقوة الشباب وعنفوانه، قبل أن تعود من جديد لضعف الشيخوخة وعجز الشيب.
وكذلك حين قال ربنا”وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا”(سورةالكهف الآية٤٥) وهنا تصوير بليغ للتغيير من النضارة والجمال والتماسك إلى العدم وقمة الهشاشة والضياع.
التغيير ليس مجرد حدث عارض، إنما هو قانون كوني لا يستثني أحدًا، فنجد أن كل شيء يتحول نحو الضد؛ فها هو الغيث يسبقه جفاف قاحل، والنجوم تظهر ثم يصيبها الأفول، كذلك هي أقدارنا، شروق يبهجنا وغروب يباغتنا، لكن في الوقت نفسه ندرك أن التغيير هو من يصنع لنا الذكريات، فلولاه ما كان للشباب حنين، وما كان للقاء قيمة، وما كان للحظة معنى، هو من يعلمنا المرونة ويحررنا من التعلق بالأشياء الزائلة، وهو من ينهي فصلًا ليفتح لنا فصلًا أجمل، هو من يعطينا نظرة مختلفة للحياة تجعلنا أكثر تفهمًا وأعمق إدراكًا لنزن الأمور بميزان الحكمة.
وأخيرًا: قيل أن التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة، وحين نتقبل أن التحول هو الحقيقة الوحيدة التي لا تتبدل، نتحرر من براثن الماضي، ونتطلع بشوق تجاه المستقبل، ونقتنص كل فرصة مختبئة خلف كل باب جديد يُفتح أمامنا، مؤمنين بأن الثبات الحقيقي يكمن في قلبٍ يتقبل التغيير، ومرونة تواكب عمرًا متبدلاً، لا نملك منه إلا ما نزرعه في نفوس الآخرين، وإن ترك الأثر هو طريقتنا الوحيدة للانتصار على الغياب؛ فهو البصمة التي لا تمحوها رياح التغيير، قوة خفية تجعل غيابنا حضوراً، وصمتنا حديثاً يتردد خلفنا في المجالس ليخبر العالم أننا مررنا يومًا من هنا، فيا ترى أي بصمة ستتركها في هذا العالم المتقلب لتقول عنك بعد رحيلك: هنا كان الجمال؟




