في منتصف الطريق

بقلم: أشواق العمرية

بعض من حروفي … في منتصف الطريق

أسير بخطى مترددة، لا أعرف إلى أين، لكنني أعلم أن الوقوف لم يعد خيارًا، الطريق طويل، ويمر به كثيرون… بعضهم يعرف وجهته، وبعضهم يمشي فقط لأنه يخاف البقاء في مكانه.
في طريقي، رأيت رجلًا يجلس على حافة الطريق، يبيع الماء دون أن ينادي، اقتربتُ منه والكثير من الحديث يسابقني!!
– “منذ متى وأنت هنا؟”
فأجاب دون أن يلتفت:
– “منذ أن اكتشفت أن أغلب الناس يسعون، لكن قليلًا منهم من يعطش فعلًا.”
مضيتُ، وفي داخلي سؤال:
كم مرة سعيتُ لأشياء لا أحتاجها حقًا؟
تابعت السير، رأيت من يركض، ومن يصرخ ليبدو أنه يتألم، رغم أن ملامحه لا تقول شيئًا…
ورأيت شابًا يقف جانب الطريق، يحمل كاميرته ويوجهها نحو المارة.
لم يكن يصوّرهم فقط، بل كأنه يحاول أن يلتقط ما لا يُرى… لحظة شعور، أو فكرة تائهة في ملامح العابرين.
كان منشغلًا بالتفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الجميع، وكأن عدسته كانت وسيلته لفهم العالم، أو ربما لفهم نفسه.
تأملته وتساءلت:
كم منّا يراقب الحياة دون أن يعيشها؟
وكم من صورة نلتقطها كي نُقنع أنفسنا بأننا كنا هناك… بينما الحقيقة أننا كنّا غائبين تمامًا؟
الكل يتحرك، لكن ليس الكل يعرف لماذا.
جلست قليلًا ألتقط أنفاسي، لتقطع سلسلة مشاهد عقلي امرأة لا أعرفها، لكنها كانت تشبهنا جميعًا.
قالت لي:
– “تعبتِ؟”
أجبتها بصراحة:
– “نعم… ليس من الطريق، بل من الناس وفقدان بوصلتي.”
قالت بهدوء يشبه الحقيقة:
– “الطريق لا يُتعب… الناس هم من يُتعبوننا، بنظراتهم، بكلامهم، بتصوّرهم عنّا، والوجهة المجهولة أحيانًا هي بداية الطريق الصحيح.”
وقفتُ لأكمل، لكن بعينٍ مختلفة، ومضيت، أتأمل كل شيء بواقعيةٍ مطلقةٍ عميقة، بدت الرؤية تتضح!
من منا غير المنطقي؟ البشر أم وقائع الأحداث؟
عند مفترق الطريق، وقفت أمام مرآتين…
إحداهما تعكسني كما أنا:
متعبة، صادقة، مُرهَقة من محاولات التبرير، لكنني حقيقية، لا أُخفي ملامحي، ولا أُزين خيباتي، ولا أبحث عن تصفيق.
والأخرى تُظهرني كما يريدني الناس:
مُبتسمة دائمًا، ناجحة بلا جهد ظاهر، مرتبة من الخارج، خالية من الصدع، بلا أسئلة ولا ضعف.
تأملت طويلاً…
وسألت نفسي:
“أيُّهما أُصدّق؟ وأيهما تستحق أن أُكمِل الطريق بها؟”
واكتشفت أن الطريق، إن لم يسع لاحتوائي كما أنا، فهو ليس طريقي أصلًا.
السعي الحقيقي لا يعني أن تُشبه الصورة التي يرسمها الآخرون لك، بل أن تَعبُر الطريق وأنت صادق مع نفسك، حتى وإن مشيت وحيدًا، حتى وإن لم يُصفق لك أحد، ولم يُذكر اسمك، ولم تُروَ قصتك.

المسألة لم تكن يومًا في عدد الخطوات… بل في اتجاهها، لم تكن في نظرات الناس.. بل في نظرتك لنفسك.

كثيرون يركضون، لكنهم عالقون في نفس الدائرة، لأنهم يركضون نحو رضا الآخرين، لا نحو حقيقتهم.

وأنا؟
قررت أن أكمّل، لا لأنني واثقة من الطريق، بل لأني واثقة من ذاتي، سأمضي، حتى لو بصمت، حتى لو تعثرت، لكنني سأمضي بصدق.. ولأول مرة، أشعر أنني على الطريق الصحيح.. وعلى يقين أنني سأتعثر كثير !!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *