فتاة من النور

بقلم: وضحة بنت راشد البادي

نور فتاة كثيرة الحركة والضحك، تعيش مع عائلتها كأنها طائر يرفرف بينهم، لا تعرف سوى الجري بين أروقة المنزل؛ كانت هادئة نوعًا ما، لكنها مرِحة، وروحها تُرفرف فتُسعد الحاضرين، ضحكتها تملأ كل زاوية من زوايا المنزل، تحب أن ترى كل فرد من أفراد أسرتها سعيدًا، وتبهج من حولها.

لكنها لم تكن تعلم أن هناك كفًّا سيُسقطها أرضًا؛ مرت عليها أيام مؤلمة وصدمات متتالية، وأزمات كأودية غاضبة تُغرق كل من يمر فيها وتقطع أنفاسه، تلك الفتاة برقتها لم تستوعب ما يحدث لها، أُصيبت بنوبات هلع، وسُلب النوم من عينيها، وذبل خدّاها بعدما كانت كالوردة المزهرة بين بساتين عائلتها.

مرت عليها أيام مؤلمة وكوابيس مرعبة؛ كانت تستيقظ وهي لا تريد سوى حضن والدتها وتمتماتها وهي تُردد:(بسم الله، بسم الله عليكِ يا ابنتي)، لكن تلك الأيام كانت من أسوأ ما مرّ عليها، إذ فقدت والدتها، وفقدت صوتها الذي كان يملأ فؤادها حبًا وحياة.

بعد وفاة والدتها، لم تتمكن الفتاة من الاستقرار النفسي، وتراكمت عليها الأحزان، ورأت أن الحياة لا تستمر، وأن الأحزان لا تمر، مكثت في تلك الدائرة السوداء أربعة أعوام، وكانت تدعو كثيرًا أن يُغيّر الله حالها إلى أفضل حال، وفي يوم من الأيام، أمسكت هاتفها وبدأت تتصفح أحد المواقع، وكأنها تبحث عن حل يفك قيود أزمتها النفسية، فظهرت لها امرأة صالحة، لكنها في المرة الأولى والثانية رفضت سماع حديثها؛ وفي ليلة الجمعة، وهو اليوم الثالث، بدأت الفتاة تتصفح ذلك الموقع مرة أخرى، وظهرت لها تلك الصالحة المُلهمة، قررت الفتاة دخول صفحتها الرسمية، وأصغت لما فيها، ثم قررت التواصل معها فورًا، لكن الخوف كان يسكنها، فقالت في نفسها:
(ربما لن ترد عليَّ).

ابتعدت عن الهاتف ونَسيت ما أرسلته، وعندما عادت إليه رأت الرد، ولم تصدّق أن تلك المرأة أجابت على رسالتها المتواضعة، حينها شعرت ببعض الاطمئنان، ولكن حين تعمقت معها في الحديث، اعتراها الخوف مجددًا، فأغلقت هاتفها لمدة أسبوع كامل، لا تدري ما سبب هروبها من تلك المُلهمة، وبعد مرور أسبوع، عادت تلك العصفورة تحمل بيدها هاتفها بخوف، ويدها مترددة من فتح المحادثة في الواتساب، فقالت في نفسها:
“سأبدأ بقول بسم الله الرحمن الرحيم، لعل البسملة تُخفّف من روعي، بدأت أصابعها تتحرك بين الدردشات المزدحمة حتى وجدت محادثة تلك الصالحة، فتمتمت باسم الله الرحمن الرحيم، كانت مترددة في سماع صوتها، لكن هناك صوتًا في داخلها يخبرها أن تستمر في الإصغاء لتلك المُلهمة، فقررت أن تسمع لعلها تجد رسالة تُحدث تغييرًا جذريًا في حياتها.

ضغطت على زر الصوت، وبدأت تسمع كلماتها المؤثرة، ومن بين تلك الكلمات جاء السؤال الذي اخترق قلبها: هل أنتِ يا نور فقدتِ الأمل في لحظة واحدة؟ هل استسلمتِ لقسوة الظروف؟!

حينها قررت نور العودة إلى نسختها الأصلية، النسخة المليئة بالمرح، الفريدة من نوعها، عادت نور إلى نورها الحقيقي، بحكمتها وقوتها، وقررت أن تنهض بعد سقوطها، وأن تُصغي إلى مُعلّمتها ومُلهمتها “فاطمة”، التي علمتها معنى الصبر، والقوة، وحب المغامرة، والتعلم.

كانت نور تذكر لنا أول اتصال تلقّته من مُعلمتها الرائعة، ولا تنسى رنين صوتها حين قالت لها: عديني بأنكِ ستكونين قوية، وستُصغين إلى الدروس التي ستُغيّر حياتك ..
وذات يوم، وبعد تردد طويل، قالت نور لأستاذتها:(يا أستاذتي، أرى في وجهكِ نورًا) فأجابتها: “شكرًا لكِ، جميعنا بداخلنا نور الله”
حينها أيقنت نور أن في حياتها نور الله، وأن اسمها لم يكن عبثًا، بل كان دلالة على الوضوح والقوة..
فكونوا كنور، التي نهضت من جسر الظلام إلى براح النور.