بقلم: سامي البلوشي
هل تتذكرون ذلك الشعور؟ تلك الرائحة الترابية التي تسبق قطرات المطر الأولى، إعلانًا لوصول ضيف طال انتظاره؟ جيلنا، الذي ترعرع في سنوات كانت فيها السماء سخية، والأرض ظمآنة ثم رويّة، يحمل في قلبه أرشيفًا كاملاً من “فرحة المطر” التي لا تُضاهى.
لقد كانت الأمطار أكثر من مجرد ظاهرة جوية؛ كانت احتفالاً طبيعيًا يوقف عقارب الزمن ويحول الحياة إلى مغامرة مائية. سيمفونية لم تتوقف عندما كنا صغارًا، لم تكن الأمطار “خفيفة” أو “متقطعة” كما نراها اليوم. كانت تهطل بغزارة تكاد لا تتوقف، تتحول فيها الطرقات إلى جداول صغيرة، والساحات إلى بحيرات مؤقتة. تبدأ القصة بـ “همسة الرعد” البعيدة، ثم تتحول إلى “هطول الوداع” الذي يستمر لأيام. أما الوديان، فكانت هي بطل الحكاية. كنا نراقبها بشغف الأطفال، صوت الهدير: ذلك الصوت القوي الذي يعلن عن وصول السيل الجارف، يملأ القلوب بالرهبة الممزوجة بالشوق لرؤية قوة الطبيعة.
كان سيل الوديان، حيث تتجمع المياه من الجبال، يظل يجري أيامًا بعد توقف المطر، شاهدًا على كمية الغيث المبارك. وبعد أن يهدأ السيل ويستقر، كنا نتسابق للعب على أطرافه، نبني الجسور الرملية الصغيرة أو “نصطاد” الأغصان المتساقطة، في مغامرات لا يفهم حلاوتها إلا من عاشها.
ملابس لا تعرف الجفاف
كانت بيوتنا تتحول إلى خلية نحل: الأمهات يرفعن المتاع خوفًا من تسرب الماء، والآباء يتفقدون مجرى السيل، ونحن، الأطفال، كنا نبدأ ماراثون الفرح. نرتدي ما استطعنا من ثياب ونندفع للخارج غير آبهين بـ “البرد” أو “الوحل”. لقد كانت ملابسنا لا تعرف الجفاف في تلك الأيام؛ نعود مبللين حتى العظم، ونغير ملابسنا لنعود مرة أخرى إلى ساحة المعركة المائية، غير مستعدين لتفويت دقيقة واحدة من هذا العرض السماوي، كانت مشاهدة الوديان وهي تجري بين النخيل هي اللوحة الفنية التي تختزل معنى الخصوبة والحياة.

رسالة إلى جيل اليوم
ربما تغيرت دورة المطر اليوم، وأصبحت غزارته أقل تواترًا، لكن ذكريات تلك السنوات تحمل لنا درسًا عظيمًا: أن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى تكنولوجيا أو رفاهية؛ إنه يكمن في البساطة والتواصل المباشر مع الطبيعة.
لعلنا اليوم بحاجة لأن نغلق أجهزتنا ونسمح لأبنائنا بتجربة رائحة المطر على الإسفلت الساخن، وأن نروي لهم قصص الوديان التي كانت لا تجف، ليعرفوا كيف كانت فرحة طفل بقدوم الغيث: فرحة غارقة في البراءة، صافية كقطرة مطر، وراسخة كجبال الحجر.فيا رب، عد علينا بفيضك الذي اعتدناه، وعد بضحكات الأطفال على شواطئ الوديان الغزيرة.







