بين سباق الفئران وقصة البحث عن التوازن


بقلم: بدرية مبارك الدرعي

لربما مر عليكم مصطلح “سباق الفئران”(Rat Race)​وهو مصطلح يصف نمط حياة استنزافي يعيشه الفرد في حلقة مفرغة من العمل الشاق والمستمر، ليس من أجل تحقيق غاية أسمى، بل لمجرد مواكبة المصاريف المتزايدة والمنافسة الاجتماعية، يُشبه الفرد فيه بـ الفأر الذي يركض في عجلة المختبر؛ يبذل جهداً هائلاً، يتعرق، ويشعر بالإجهاد، لكنه لا يبرح مكانه.
في هذا السباق، يتحول الإنسان إلى ترس في آلة، ويصبح وقته ملكاً للعمل مقابل وهم الأمان المادي.
كموظف مجتهد، كان يقضي وقتاً طيباً مع والديه ويزور أرحامه ويهتم بزوجته وأبناءه، حصل على ترقية لمنصب مدير براتب أعلى، بدلاً من أن يستثمر الزيادة في شراء راحته، وجد نفسه مضطراً للعمل أثنا عشرة ساعة يومياً، وأصبح يحمل العمل معه إلى المنزل عبر رسائل واتساب، وإيميلات لا تنتهي، يتناول طعامه وهو يعمل أمام الشاشة ليوفر الوقت من أجل إنهاء تقرير إضافي، يرى والديه في المناسبات فقط، وقد كبرا في السن ويحتاجان لمن يجلس للحديث معهما، أو يرافقهما إلى ردهات المستشفى، وزوجته التي كانت شريكته في الحلم، أصبحت تعيش وحدةً في ظل وجوده، وأبناؤه الذين كبروا بعيداً عن عينيه فقدوا الأب القدوة ليجدوا مكانه المدير المشغول، في نهاية المطاف، سقطت منه أثمن الألقاب ..

لقد ربح لقب مدير في كشوفات الشركة، لكنه خسر لقب البار، ولقب الأب الحاضر، ولقب الزوج المحب.. لقد وصل إلى قمة الهرم الوظيفي، ليكتشف أنه يقف هناك وحيداً، مثقلاً بالندم.

يقول الدكتور نايف نهار: ((هناك مشكله ألا وهي أن الانسان أصبح ينظر للنجاحات المرئية التي يرآها الناس، مثل ذلك الذي أصبح مشهوراً في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يمتلك تجارة كبيرة وواسعة، أو صاحب منصب مدير إداري، وكيل وزارة، …الخ، هذه النجاحات هي التي يسعى لها الإنسان، لماذا؟ لأن الناس يرونها وإذا رآها الناس سيقدرونه ويثنون عليه وبالتالي يتحول هذا الى مكانة اجتماعية، وعندما يذهب الى أي مكان تقدره الناس بسبب هذه النجاحات، لكن هناك نجاحات مخفيه لا يراها الا الله عز وجل، هي لم تعد مغرية، نجاحات لا يبالي بها الانسان مثل، النجاح في بر الوالدين هذا النجاح من يهتم به؟ صار الناس لا يطمحون اليه، لأن الناس لا يرونه حتى يُثني عليه ويتحول إلى مكانة اجتماعية.

نجاحك في التزامك مع أسرتك، نجاحك في تربية أبنائك، التزاماتك مع الناس ووفائك بالوعود، ومساعدة المستضعفين في الأرض، إن من أسماء الله الحسنى الشكور لأنه يقدر كل صغيرة وكبيرة نقوم بها، الانسان الواعي لا يبالي بما يقدره الناس يبالي بما يقدره الله، النفس لا تركن إلى مثل هذه النجاحات وتدفعك الى النجاحات المرئية)).

أتعلم ماهي مأساة سباق الفئران؟ هي أنه يجعلنا نجوماً في أعين الغرباء، وغرباء في أعين أقرب الناس إلينا، نحن نتسلق منصة التتويج أمام الجمهور، بينما نهوي في منحدر العقوق والإهمال الأسري خلف الستار.
في الختام، نحن لا ندعو إلى الزهد في الطموح، ولا نطلب من الإنسان أن ينسحب من ميادين النجاح المرئي؛ فالعمل عبادة، والتميز المهني رفعة، والمنصب مسؤولية يمكن أن تُسخّر للخير، لكننا ندق ناقوس الخطر من أن يبتلع الظاهر جوهر الباطن، وأن يستنزف بريق المنصب عطر الوفاء.
إن النجاح الحقيقي هو ذلك التوازن الدقيق؛ أن تكون مديراً لامعاً في مكتبك، ولكنك بمجرد أن تطرق باب والديك، تخلع ثوب السلطة لتكون ابناً باراً هيناً ليناً النجاح هو أن تمتلك تجارة واسعة يرآها الناس، وتملك في خفائك تجارة مع الله في بر الوالدين وتربية الأبناء لا يراها إلا هو.
لا تجعل سباق الفئران يحولك إلى لوحة جميلة من الخارج وخاوية من الداخل، بل أجعل نجاحك المرئي خادماً لنجاحك المخفي.
وتذكر دائماً: أن أجمل قصص النجاح ليست تلك التي تُنشر في الصحف ويصفق لها الجمهور، بل هي تلك الصامتة التي تُكتب في سجلات الشكور.