بين رِقَّةِ الشَّايِ وَقُوَّةِ القَهْوَة لَحْظَةُ صَمْتٍ تَحْكِي الحَيَاة

لِلكاتِبَان
مُزْنَةُ البُلُوشِيَّـة
مُحَــمَّد الشُّعَيْـلِي

الكاتبة مُزْنَةُ البُلُوشِيّــة (الشَّاي)

في سِكَّةِ إِنتِظارِ الحَياةِ نَجْلِسُ عَلَى الكَراسِي نَتَذَوَّقُ نَكْهَةَ الشَّاي، وَمَعَ كُلِّ رَشْفَةٍ تُراوِدُنا تِلكَ الأَحْلامُ بِصَوْتٍ مِن أَصْواتِ الحَياةِ يَهْمِس: غَدًا أَهْدَأُ مِنَ اليَوْم، تَتَساقَطُ قَطَراتُ الماءِ كَأَنَّها حَبّاتُ مَطَرٍ تَرْتَدُّ عَن جِدارِ الحَيْرَة، وَتَعْلو الرّائِحَةُ وَتَعْلو مَعَها أَسْئِلَةٌ لا تَنْبُتُ إِلّا فِي التَّلاشِي بَيْنَ الأَكْواب، الشَّايُ لَيْسَ شَرابًا فَحَسْب؛ إِنَّهُ صَفْحَةُ قَلْبٍ مَفْتوحَةٌ عَلَى مِرْآةِ الزَّمَن، يَتَرَقَّبُ المَصِيرَ كَما يَنْتَظِرُ سَفِينَةً فِي مِينَاءٍ بَعِيد، وَفِي كُلِّ فَلْتَةِ بُخارٍ تَتَقَدَّسُ لَهْفَةُ الإِنْسانِ فِي الدَّاخِل.
اَلعُصارَةُ الَّتِي تَتَدَفَّقُ مِن بَيْنِ أَوْراقِ الشَّاي كَأَنَّها هَمْسُ قِراءَةٍ لِلْحَظّ؛ فَكُلُّ وَرَقَةٍ تَحْمِلُ حِكايَةً صَغِيرَةً عَنْ تَأَخُّرٍ طَوِيلٍ فِي المَسِير، عَنْ وَظِيفَةٍ وُهِبَ لَنا أَنْ نَراها فِي حُلْمِ المَساءِ وَلا نَراهُ فِي فَجْرِ الصَّباح، عَنْ زَواجٍ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالواقِع كَراقِصَةٍ فِي فَضاءٍ مُحَدَّب، عَنْ مَرَضٍ يَعْبُرُ كَخَيْطٍ رَفِيعٍ مِن دَهْشَةٍ وَآلامٍ فِي آنٍ واحِد. الشَّايُ يَقول: لَسْتَ وَحْدَكَ فِي الإِحْساسِ بِهٰذا التَّخَبُّط؛ فَالتَّكْتُّلُ فِي قَلْبِ الأَيّامِ يُشْبِهُ الغَلَيانَ الَّذِي لا يَزولُ مَفْعولُهُ إِلّا بِوَقْتٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّهْرِيبِ عَبْرَ النِّهايات.
تِلْكَ اللَّهْفَةُ الَّتِي فِي الحَلْق، وَهٰذا الرَّحِيقُ فِي الكَوْب، يَشْتَبِكانِ كَأَنَّهُما اشْتِباكُ صَوْتَيْن: صَوْتُ الأَمَلِ الَّذِي يَحْلُمُ بِخُضْرَةِ الغَد، وَصَوْتُ الواقِعِ الَّذِي يَحْدِّقُ فِينا بِعَصا التَّجْرِبَة، وَنَحْنُ نُقَلِّبُ الشَّرائِحَ الصَّغِيرَةَ مِن زَمَنِنا مِثْلَما تُقَلِّبُ اليَدُ صَفْحَةً مِن دَفْتَرٍ قَدِيم: صَفْحَةٌ تَتْلوها صَفْحَةٌ عَنْ وَظِيفَةٍ تَأَخَّرَت، صَفْحَةٌ عَنِ الزَّواج، صَفْحَةٌ عَنْ مَرَضٍ لَمْ يُفارِقْنا فِي كُلِّ يَوْم، صَفْحَةٌ عَنْ أَشْياءِ كُنّا نُحَمِّلُها فِي كَفَّيْنا كَأَحْلامٍ قابِلَةٍ لِلنُّزولِ مِنَ السَّماءِ لٰكِنَّها تَبْقَى مُعَلَّقَةً فِي فاصِلِ الضَّوْءِ، وَالبَيْتُ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَحُ لَنا بابًا يَخْرُجُ بِنا مِن هٰذا المَساءِ إِلَى خَبَرٍ بَسِيطٍ يُقالُ فِيهِ: مُرْتاحون، قَدْ بَلَغْنا ما أَرَدْنا وَلَوْ بِمِقْدارِ القَطَعِ الصَّغِيرَة.
وَكَأَنَّنا نَرى الأَمَلَ مِن نافِذَةٍ صَغِيرَة: نُراقِبُهُ وَهُوَ يُراقِبُ أَبْناءَ اليَوْم وَقُلُوبَهُمْ تَنْبِضُ كَأَنَّها قُلُوبُ طُيُورٍ تَبْحَثُ عَنْ عُشّ. الشَّبابُ فِي هٰذا المَشْهَد لَيْسُوا وَحْدَهُمْ؛ البَناتُ أَيْضًا مِن شُرَاحِ الحِكايَة، يُعانِينَ لَصْقًا مِنَ الزَّمَنِ يَحْصُرُ الأَحْلامَ فِي تَجاوُزٍ مُحاكٍ لِمَوْجَةٍ مِنَ الآمالِ الَّتِي لا تَزالُ تَضْرِبُ شَواطِئَ القَلْب، إِنَّها ظِلالٌ تَقْتاتُ عَلَى صَمْتِ اللَّيْل: حِينَ تُسْرَى أَصْواتُهُمْ فِي الطُّرُقات وَتُدارُ الرُّؤى كَعَجَلَةٍ بَطِيئَة، حِينَ يَمِيلُ العُودُ إِلَى الاِنْحِناءِ مِن كَثْرَةِ انْتِظارٍ أَو مِن كَثْرَةِ حَمْلٍ فِي السِّرِّ لا يَظْهَرُ إِلَى العَلَن.

رَدُّ الكاتِب مُحَمَّد الشُّعَيْلِي (القَهْوَة)

لَقَدْ أَنْصَفْتِ الشَّاي حِينَ جَعَلْتِ مِنْهُ رَفِيقَ الاِنْتِظار، لٰكِنِ اسْمَحِي لِي أَنْ أُدافِعَ عَنِ القَهْوَة؛ فَهِيَ لَيْسَتْ بِنْتَ الاِنْتِظار، بَلْ بِنْتُ المُقاوَمَة.
الشَّايُ يَجْلِسُ مَعَنا عَلَى الرَّصِيفِ يُرَبِّتُ عَلَى أَكْتافِنا وَيَقول: غَدًا سَيَكُونُ أَجْمَل، أَمَّا القَهْوَةُ فَتَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيق، تَشُدُّنا مِن أَيْدِينا وَتَقول: قُمْ، اصْنَعْ غَدَكَ بِنَفْسِكَ.
إِنْ كانَ الشَّايُ صَفْحَةً مَفْتُوحَةً عَلَى مِرْآةِ الزَّمَن، فَالقَهْوَةُ سَطْرٌ أَسْوَدُ كَتَبَتْهُ الحَياةُ بِحِبْرِها الثَّقِيل، لِتَقولَ لَنا إِنَّ الأَحْلامَ لا تَتَحَقَّقُ بِالتَّرَقُّبِ وَحْدَهُ، بَلْ بِالسَّهَر، وَبِالتَّعَب، وَبِالقَلَقِ الَّذِي يُوقِظُ القَلْبَ قَبْلَ الفَجْر.
فِي كُلِّ فِنْجانِ قَهْوَةٍ حِكايَةُ شابٍّ أَرْهَقَهُ البَحْثُ عَنْ وَظِيفَة، لٰكِنَّهُ ما زالَ يُرْسِلُ سِيرَتَهُ كُلَّ صَباح، وَفِي كُلِّ رَشْفَةٍ مِنْها أَنْفاسُ فَتاةٍ تَحْمِلُ حُلْمَها بَيْنَ ضُلُوعِها، وَتُخْفِي خَوْفَها خَلْفَ ابْتِسامَةٍ صَغِيرَة، ثُمَّ تَمْضِي.
القَهْوَةُ لا تَعِدُنا أَنَّ الطَّرِيقَ سَهْل، وَلا تَخْدَعُنا بِرائِحَةِ الطُّمَأْنِينَة، لٰكِنَّها تَمْنَحُنا شَيْئًا أَعْظَم: قُوَّةَ أَنْ نُكْمِلَ رَغْمَ كُلِّ شَيْء، هِيَ رَفِيقَةُ المَكاتِب، وَأَوْراقِ الطَّلَبَات، وَاللَّيَالِي الطَّوِيلَة، وَالدُّمُوعِ الَّتِي لا يَراها أَحَد، هِيَ الَّتِي تَبْقَى مَعَنا حِينَ يَنامُ الجَمِيع، وَتَهْمِس: لا بَأْس… ما دامَ فِي القَلْبِ حُلْم، فَفِي العُمْرِ مُتَّسَعٌ لِمُحاوَلَةٍ أُخْرَى.
لِذٰلِكَ، إِنْ كانَ الشَّايُ يُجِيدُ مُواساةَ المُنْتَظِرِينَ، فَالقَهْوَةُ تُجِيدُ صِناعَةَ الَّذِينَ لا يَنْتَظِرُونَ كَثِيرًا… بَلْ يَنْهَضُونَ.