بيئةٌ نقية وتعليم راقٍ

بقلم: بدرية بنت حمد السيابية

مع اقتراب العام الدراسي الجديد، تزداد البهجة في قلوبِ أبنائنا وهم يتهيأون بحقائبهم الزاهية وملابسهم الأنيقة، متشوّقين للقاء معلميهم وزملائهم بعد انقطاعٍ طويل. وفي خضم هذه الأجواء المليئة بالحيوية، تبرز أهمية تهيئة المدارس لتكون على أتم استعداد لاستقبالهم؛ فالبداية الدراسية المشرقة لا تكتمل إلا ببيئة نظيفة وآمنة تحتضن أبناءنا وتمنحهم الراحة والثقة في رحلتهم مع العلم والمعرفة.

ولا ريب إن المدرسة هي البيت الثاني للطالب، ومشهدها الأول يترك أثرًا عميقًا في نفسيته؛ لذا فإن نظافة المباني والفصول والممرات والساحات ليست مجرد مظهر جمالي، بل رسالة ضمنية بأن هذا الصرح التعليمي جدير بالاحترام. وعندما يدخل الطالب فصلهُ ويجدهُ مرتبًا خاليًا من الغبار والكتابات المشوهة، يشعره ذلك بالانتماء والفخر بمكانه، ما يعزز دافعيته للتعلم. وقد أشارت دراسات تربوية إلى أن الطلاب الذين يتعلمون في بيئات صفية نظيفة ومرتبة يحققون نتائج أفضل مقارنة بزملائهم في بيئات أقل عناية “UNESCO”.

ولا يمكن للعملية التعليمية أن تزدهر في غياب مرافق صحية نظيفة وسليمة. فدورات المياه والمغاسل – أجلّكم الله – تمثّل ركيزة أساسية في الحياة المدرسية. إذ يستلزم الأمر صيانة منتظمة لشبكات المياه وضمان خلوها من التسريبات، إلى جانب توفير أدوات ومستلزمات النظافة بشكل يومي. إن العناية بهذه المرافق تعكس التزام المدرسة بصحة أبنائها وسلامتهم، وتوفّر لهم بيئة آمنة تسهم في انتظامهم الدراسي، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن المرافق الصحية الجيدة تقلل من معدلات الغياب، وتغرس في نفوس الطلبة عادات صحية راسخة ترافقهم في مسيرتهم التعليمية والحياتية.

كما تشكل الصفوف الدراسية المناخ الذي ينعكس مباشرة على تركيز الطلاب وحيويتهم وقدرتهم على الإنجاز. فالبيئة الداخلية المتوازنة، بما تحويه من تهوية جيدة وإضاءة مناسبة، تهيئ للطلاب أجواء مريحة تحفظ نشاطهم الذهني وسلامتهم الجسدية. وحين يتوافر الهواء المتجدد وتنتظم الإضاءة المناسبة، يشعر الطالب بالراحة والقدرة على متابعة دروسه بانتباه وصفاء، وهذا من شأنه أن يوازن بين الراحة والانضباط ويتحول الصف إلى فضاء محفّز على التعلم والإبداع، وتشير الدراسات التربوية الحديثة إلى أن تحسين جودة التهوية والإضاءة يقلل من مستويات الإجهاد، ويرفع من معدلات الانتباه والتحصيل بنسبة تتراوح بين ٢٠% و٢٥%، وهو ما يؤكد الدور الحيوي للمناخ الصفي في نجاح العملية التعليمية 【Edutopia】.

وتعد الحافلات المدرسية امتدادًا للبيئة التعليمية، فهي تبدأ مع الطالب منذ لحظة مغادرته منزله وتنتهي عند عودته إلى أسرته، وفي رحلته اليومية تمثل الحافلة مساحة تحمل الكثير من المعاني من الالتزام بمواعيد الانطلاق والوصول إذ يمنح ذلك راحة وطمأنينة لأولياء الأمور. كما أن انتظام الطلبة يعكس صورة إيجابية عن المدرسة واهتمامها بأبنائها، وتبقى بيئة الحافلة الداخلية عاملًا مهمًا في شعور الطالب بالأمان والراحة، سواء من حيث تنظيم المقاعد والطاقة الاستيعابية المناسبة، أو من خلال الأجواء التي تتيح له بداية يوم دراسي بنشاط وعودة هادئة مطمئنة، ولعل هذا الجانب يشكل جزءًا أساسيًا من منظومة التعليم المتكاملة، حيث يلتقي فيه الاهتمام بالسلامة مع رعاية التفاصيل اليومية التي تترك أثرها العميق في نفوس أبنائنا.

إن صناعة جيل واعٍ ومتعلم ليست نتاج المناهج والكتب وحدها، بل هي ثمرة بيئة حاضنة تصوغ تفاصيل يوم الطالب منذ لحظة خروجه من منزله وحتى عودته إليه لأننا نؤمن أن المدرسة ليست جدرانًا وصفوفًا فحسب، بل فضاء إنساني تتجسد فيه القيم وتترسخ فيه العادات، حيث تصبح النظافة والنظام والاهتمام بالتفاصيل اليومية ركائز أصيلة في التربية والتعليم.

ولا نغفل إن البيئة المدرسية حين تكون نقية ومرتبة، تبعث في نفوس الطلاب شعورًا بالكرامة والانتماء، وتغرس فيهم الثقة بأن العلم رسالة سامية تستحق الجد والاجتهاد، ومن هنا تتكامل أدوار الإدارة والمعلمين والأسر في منظومة واحدة. وتجعل من المدرسة مرآةً لرقي المجتمع وطموحه وتترجم قيم الوطن في أبنائه الذين يحملون مشعل الغد، وووضع أولوية العناية بالبيئة التعليمية ليس إجراءً تنظيميًا فحسب وإنما استثمار في مستقبل يليق بتطلعات أبنائنا ويمنحهم بداية عام دراسي مشرق يضيء طريقهم نحو الغد.