بعد ثلاثون عامًا من الرحيل

بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعي

كانت هناك امرأة طيبة تدعى رقية. تجاوزت الستين من عمرها، لكن عينيها ظلتا تحملان بريق الانتظار في كل صباح، كانت تجلس أمام بيتها الصغير، تُعِّدُ كوبًا من الشاي وتضع بجانبه كوبًا آخر فارغًا. كان أهل القرية يمرون بابتسامة معتادة، وقد ألفوا رؤيتها على هذا الحال منذ أكثر من ثلاثين عامًا؛ لا تغيرها شمس الصيف ولا برد الشتاء، يسألونها أحيانًا؛ “أنت لسه بتستنيه يا خالة؟ فتبتسم بهدوء وترد: “الي بينتظر من قلبه.. مابيزهق أبدًا”.

القصة بدأت حين سافر زوجها مصطفى إلى المدينة ليعمل، واعدًا إياها أن يعود بعد عامٍ واحد، لكن مر عام، ثم اثنان، ثم أعوام .. ولم يعد. أشيع أنه مات، وقال آخرون إنه نسيها وتزوج هناك، لكنها لم تصدق شيئًا من ذلك، وكانت ترد بثقة: – “مصطفى لو عايش، راجعلي. ولو مات، كان قلبي حس” مرت السنين، تغير أهل القرية، كبر الأطفال ورحل كثيرون، أما هي فبقيت كما هي، جالسة كل صباح، تنتظر. وفي أحد أيام الشتاء القارس، يبنما كانت تحّر الشاي، جاء رجل عجوز يترنح بتعب، يحمل حقيبة قديمة، وعيناه تدمعان.. اقترب منها وقال بصوت متهدج: “رقية.. سامحيني.. رجعت”.تجمدت فى مكانها، كأن الزمن توقف ثم ارتدت عليه باكية، غير مصدقة أن الانتظار الطويل قد انتهى . اكتشف أهل القرية لاحقًا أن مصطفى تعرّض لحادث أفقده الذاكرة، وظل سنوات في مستشفى بعيد حتى بدأت ذاكرته تعود شيئًا فشيئًا. وما إن تذگرها، حتى قطع مئات الكيلومترات ليعود إليها. وبعد أيام، رآهم الناس جالسين سويًا أمام البيت، يشربان الشاي ولم يعد الكوب الثاني فارغًا.القصة من حساب (farid_alshahwarzi).

رقية، كانت عيناها تتأملان الطريق كل يوم، عاشت سنوات من الحب ولكنه حب عجاف، تحملت قسوة الصيف وشدة البرد ومرارة الصبر. فما الذي دفعها إلى هذا الانتظار اليومي؟ وما الذي جعل هذه العلاقة تزدهر دون أن تضمحل؟

حقيقة أن هناك علاقات جميلة قوية راسخة ومتينة، كجذور شجرة سنديان قديمة، تتعمق في الأرض مع كل يوم يمر، تمنح الظل والأمان ترآها شامخة ولا تزيدها عواصف الحياة إلا رسوخًا وثباتًا. علاقة كبناءٍ صلب بُنيت أسسها من الثقة والإخلاص، فلا يمكن لزلازل الخلاف أن يهدمها. نُسجت خيوطها بالوفاء والصبر، فصارت نسيجًا محكمًا لا يمكن أن يتمزق، بل يزداد صلابة مع تقلبات الحياة. علاقةٌ يسودها تواصل صادق، هناك قلب يتحدث وتستمع أذن واعية دون أن تقاطع أوتحكم، هذا التواصل هو بمثابة جسر يربط بين عالمين فيمنع الخلافات الصغيرة من أن تتحول إلى فجوات عميقة. علاقة يغمرها التسامح إذ لا توجد حياة زوجية خالية من العثرات؛ فالتسامح هو أن تمد يدك لشريكك وتتجاوز عن زلاته الصغيرة من أجل الحفاظ على اللحظات الأجمل في العلاقة، وتتعامل معه بمرونة وحكمة مع تقلبات الحياة. ولا ننسى التقدير وما له من تأثير فلفتة بسيطة من التقدير يمكن أن تكون كالمطر الذي يروي أرضًا جافة، فتنمو مشاعر الحب وتُزهر مشاعر الرضا في القلوب.

وبينما تُبنى العلاقات القوية على هذه الأسس، هناك علاقات أخرى تنهار للافتقارها إليها، كزوال الألفة، في البداية، كل شيء يكون جديدًا ومثيرًا، الشريكان يكتشفان بعضهما البعض، ويقضيان وقتًا طويلاً معًا، وهنا تكون رغبة قوية في إرضاء الطرف الآخر، ولكن مع مرور الوقت، تحل الألفة محل هذه الإثارة، وقد يتحول الاهتمام المتبادل إلى روتين ممل.ثم إنه بمرور الوقت تتغيّر الأولويات، تظهر مسؤوليات جديدة كالأبناء والعمل والالتزامات المالية، هذه الأولويات قد تستهلك الوقت والطاقة التي كانت مكرسة سابقًا للعلاقة، مما يضعف التواصل بين الشريكين.كما أن العلاقات القوية تحتاج إلى صيانة مستمرة تمامًا كأي شيء ثمين في الحياة. إذا توقف الشريكان عن حل المشاكل أولاً بأول، فإنها تتراكم وتتحول إلى تراكمات سلبية تهدم العلاقة تدريجيًا. كما أنه قد يبدأ البعض علاقاتهم بتوقعات غير واقعية عن الحياة الزوجية، معتقدين أن السعادة ستكون دائمة دون أي مجهود. وعندما يصطدمون بالواقع، يتضاءل اهتمامهم بالعلاقة ويقلّ سعيهم لإصلاحها.

يقول أخصائيون العلاقات: “أن العلاقات القوية لا تحدث بالصدفة، بل تُبنى على العمل.”أي أن العلاقات التي تدوم لا تظهر من فراغ، بل هي نتاج عمل مستمر وجهد متواصل من الطرفين. فكل لحظة من اللطف، وكل فعل مساند، وكل تسامح، هو بمثابة لبنة في بناء هذا الصرح المتين.

وأخيرًا، في عالم تتلاشى به الوعود مع أول عقبة، تأتي قصة رقية ومصطفى لتعيد تعريف معنى الحب والوفاء.
إنها ليست مجرد حكاية من الماضي؛ بل هي درسٌ في الصبر، ومثالٌ حي على أن بعض القلوب تنبض بالأمل ولا تعرف لليأس طريقًا. فالعلاقات التي تدوم ليست تلك الخالية من الصعاب، بل هي التي يتعلم فيها الشريكان كيف يواجهان العواصف معًا، وكيف يعيدان بناء ما تهدم، ويقويان ما ضعف. إنها رحلة مستمرة تتطلب: تجاهل الأمور التافهة التي لا تستحق النقاش، الاعتراف بجهود الشريك والصبر عليه ومنحه الوقت للتغيير والنضج مع مرور السنين.

في هذه القصة؛ لم يكن الانتظار مجرد فترة زمنية، بل كان تجسيدًا لإيمانٍ مطلق بأن الحب الحقيقي لا يضل طريقه، مهما طالت الرحلة ومهما قسى الغياب. إنها قصة عن كوب شاي فارغ، امتلأ بعد ثلاثون عامًا، ليخبرنا أن بعض النهايات تستحق كل هذا الانتظار.
عزيزي القارئ: هل أنت مستعد أن تستقبل شخصًا عاد إليك بعد ثلاثون عامًا من الرحيل؟