أيّتها القلوب… إلى أين؟ “الجزء الثاني”

العلاقات الأسرية وصِلة الرحم التي ذبلت

بقلم: سميرة أمبوسعيدية

كانت البيوت يومًا عامرة بالحب، ممتلئة بالضحكات، لا تهدأ مجالسها من لقاءات الإخوة ودفء الجدّات.
كان وجود الأب أو الأم أشبه بشمعة تُضيء بيتًا بأكمله، تجمع الخيوط، وتحفظ الدفء، وتمنع التصدّع، لكن… إلى أين وصلت بنا الأيام؟ رحل الآباء والأمهات، فارتُفعت الموائد، وانطفأت المجالس، وتبدّدت الروابط، لم يبقَ من صلة الرحم سوى صورٍ قديمة، أو دعوات يتيمة، وربما زيارة مجاملة في العيد… أو لقاء عابر حين تصطف العائلة في العزاء، تفرّق الأحفاد، وغاب صوت الجد، وتحولت اللقاءات إلى رسائل باردة، ومكالمات مجاملة لا دفء فيها ولا شوق.
أصبحت العلاقة بين الإخوة معلّقة بخيط المصلحة، وصارت القلوب لا تنبض إلا لأنفسها.

هل هكذا أردناها؟.أن ننتظر موت أحدنا لنلتقي؟ أن نتحوّل من عائلة إلى غرباء، نجتمع في المناسبات ونفترق دون وداع؟
أين صلة الرحم؟ أين ذاك الذي كان يمرّ كل جمعة على أخته أين تلك التي لا تغادر بيت أمها دون قبلة ودعوة؟ أين صحن الفطور الذي كانت تتقاسمه الأسر؟ أين الولائم التي كانت تجمع القلوب قبل البطون؟

القسوة سكنت القلوب، والمشاغل اختطفت الأرواح، والهواتف قتلت المجالس، رحل الآباء، فاختفت العزائم وبهتت المجالس، ورحلت الأمهات، فتلاشت رائحة القهوة، وضاع طعم اللقاء، بقيت صورهن على الجدران، وبقي الدعاء لهن من القليل، بينما القطيعة التهمت ما تبقى من الرَّحم.

قصص من الواقع… موجعة ومؤلمة: أم رحلت، ولم يحضر دفنها من أولادها سوى واحد، والبقية “مشغولون”. قالوا: ظروف… وغابوا حتى عن العزاء، وعائلة لا تجتمع إلا حين يموت أحدهم، كأن الحزن وحده ما يربطهم، أما الفرح… فلكلٍ فرحه وحده، وأبناء عمومة تربّوا في بيت واحد، واليوم لا يعرف أحدهم أين يسكن الآخر، والسبب؟ كلمة عابرة، لم يعتذر عنها أحد.
هذه القصص ليست خيالًا… هي من بيوتنا، من واقعنا، من دموع أمهات ينتظرن زيارة، ومن قلوب آباء تحترق صمتًا وهم يرون أبناءهم غرباء، ألا نخشى أن يُفعل بنا ما نفعل؟ أن يعيش أبناؤنا على ما يرونه منا؟ أن نورّث الجفاء بدل الحنان؟ ورغم كل هذا… ما زال هناك وقت، عودوا، فكل قطيعة تورث حسرة، وكل خصام يخصم من أعمارنا قبل أعمارهم، لنعد، فالعمر أقصر مما نظن، لنجمع إخوتنا، ونصل أرحامنا، ونزور أقاربنا، ونُحيي ما مات من الروابط، لنتصالح، ونسامح، ونبادر… قبل أن نفاجأ برسالة عزاء بدل دعوة عشاء.

الحياة قصيرة.. فلا تقصّروها بجفاء القلوب.