استثمار لا يخسر أبدًا

استثمار لا يخسر أبدًا

بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية

هناك استثمار لا يخسر أبدًا، ولكن قبل أن نكشف النقاب عنه، اسمح لي – يا قارئي العزيز – أن آخذك في رحلة قصيرة لنتعرّف على عبقري غيّر مجرى الطب إلى الأبد، والسبب في دخوله إلى عالم الطب… فمن هو يا تُرى؟

في يومٍ من الأيام، سمع فلاحٌ فقير صوت طفلٍ يبكي ويصرخ بصوتٍ عالٍ. ترك الفلاح عمله في الحال، وأسرع باتجاه الصوت لإنقاذ الطفل. وعندما وصل إلى مصدر الصوت، وجد طفلًا صغيرًا واقعًا في حفرةٍ عميقة، يصرخ من الخوف. بذل الفلاح جهدًا كبيرًا لإخراج الطفل من الحفرة، وبعد عدة محاولات، تمكّن أخيرًا من إنقاذه.

في اليوم التالي، جاءت عربة فخمة إلى منزل الفلاح الفقير، ونزل منها رجل غني جدًا. أخبر الرجل الفلاح أنه والد الطفل الذي أنقذ حياته بالأمس. رحّب الفلاح بالضيف الذي شكره بشدة على إنقاذ ابنه، ثم قدّم له مبلغًا كبيرًا من المال، لكن الفلاح رفض أن يأخذ أي شيء. حاول الرجل الثري مرارًا إقناعه بقبول المال، لكن الفلاح أصرّ على رفض أي تعويض مقابل إنقاذه للطفل.

في هذه اللحظة، خرج طفل صغير يرتدي ملابس بسيطة من الكوخ الذي يعيش فيه الفلاح. فسأله الرجل الغني: “هل هذا ابنك؟” فأجاب الفلاح بكل فخر: “نعم، إنه ابني”. بعد ذلك، عرض الرجل على الفلاح أن يسمح له بمساعدة ابنه في تعليمه، قائلًا: “سأقدّم له نفس المستوى التعليمي الذي أقدّمه لابني.” وافق الفلاح على هذا الاقتراح، والتحق ابنه بأفضل المدارس الخاصة بالنبلاء حتى تخرّج في كلية الطب.

هل تعلم من هو ابن الفلاح الفقير؟ إنه الطبيب والعالم البريطاني مكتشف البنسلين ألكسندر فلمنج.

مرّت السنين، وأُصيب الرجل الغني – الذي ساعد الطفل في تعليمه – بمرض خطير في الرئتين، فأنقذ حياته هذه المرة ألكسندر فلمنج. أما الرجل الغني، فهو اللورد راندولف تشرشل، وأما ابنه الذي أنقذه الفلاح، فهو السير ونستون تشرشل، رئيس وزراء المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية.

أما الآن، وبعد أن انتهت الرحلة، دعني أخبرك عن الاستثمار الذي لا يخسر أبدًا: إنه “فعل الخير”، والذي يمكن أن نُعرّفه بأنه ترجمة للنوايا الطيبة إلى أفعال ملموسة تُحدث فرقًا إيجابيًا. فهو تصرّف يساهم في تخفيف المعاناة، ويقضي على عوامل الفقر والمرض والتشرّد، ويُحسّن الظروف المعيشية للأفراد والمجتمعات، وينشر السعادة.

من وجوه عمل الخير:

  • معلمٌ يخصّص وقتًا إضافيًا لطالب يواجه صعوبة، قد يُغيّر هذا التصرف مسار حياته، ويفتح له أبوابًا لم يكن ليتخيّلها.
  • شخصٌ يوقف سيارته على جانب الطريق ليُزيل قمامة قد تتسبّب في حادث مروري أليم.
  • زيارة قصيرة لمريض تُلقى خلالها كلمة طيبة ترفع من روحه المعنوية، وتُسرّع شفاءه أكثر من الدواء نفسه.

  • إن فعل الخير يُقوّي الروابط المجتمعية، فتنتشر المحبة والألفة، وتسود قيم إيجابية تشجّع على العطاء. ويُثاب فاعله بقرب الله ومحبته، ويكون سببًا من أسباب دخوله الجنة، ويطرح البركة في رزقه وعمره، ويطهّر النفس ويُزكّيها من الأنانية والبخل والحسد.

ولو تعمقنا في تأثيره النفسي على فاعله، فقد أكّد أطباء نفسيون أن كونك طيّبًا وخيّرًا هو أمر مفيد للجسم والعقل، بل ذهبوا أبعد من ذلك، بتأكيدهم أن مجرد مشاهدة الشخص للأعمال الطيبة له تأثيرات جيدة على الصحة، لأنها تُقوّي القلب. وأرجعوا السبب إلى هرمون “الأوكسيتوسين” (Oxytocin) أو ما يُعرف بهرمون الحب، الذي يُخفّض ضغط الدم، ويُساهم في صحة القلب، ويُقلّل من مستويات التوتر والقلق والاكتئاب، ويولّد شعورًا عميقًا بالسعادة والرضا، وهو ما يُسمى بـ”نشوة السعادة”.

وعبر التاريخ، أكّد الحكماء أن الخير هو أساس المجتمع الفاضل، وأن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء لا في الأخذ، وأن مساعدة الآخرين هي الطريق للارتقاء بالنفس. يقول الإمام النووي: “لا يُحتقَر شيء من أفعال الخير، فلعله سبب السعادة والرحمة.”

أيها القارئ العزيز:
لولا الخير، لما امتدّت تلك اليد الخيّرة، ولربما ظل ألكسندر فلمنج مجرد اسم بين المزارعين، ولما ارتقى ليصبح ذلك الطبيب اللامع والعالم الفذ الذي غيّر وجه البشرية. ولما أبصر البنسلين النور، ذلك المضاد الحيوي الأول والمنقذ الذي انتشل – ولا يزال ينتشل – ملايين الأرواح من براثن الأمراض حول العالم.

وأخيرًا:
إن كل فعل خير، مهما كان متواضعًا، هو بذرة يمكن أن تنمو لتُصبح شجرة باسقة تُثمر خيرًا وفيرًا.