بقلم: سامية النبهاني
خلف كل شيء، هناك أشياء لا نراها… بمعناها الحقيقي.
خلف كل ستارة ما يحجب الحقيقة، وما يُخفى عن العيون، خلف تلك الجدران الصامتة، وخلف الزوايا المقابلة، لا توجد زاوية بلا حكاية…
كل زاوية تحمل قصة تختلف عن الأخرى، نحن لا نرى سوى الظاهر أمامنا، لكن في حقيقة الأمر، هناك أشياء لو ظهرت على حقيقتها لربما لم نُصدّق ما نسمع.
أهذه هي الحقيقة فعلًا؟
كواليس… مسرحيات… مسلسلات… وغير ذلك الكثير.
خلف كل هذا، هناك من يتصنّع الابتسامة ليظهر بالمستوى الذي يُرضي الجميع، ينفّذ النصّ المُعدّ له، ويتقن الدور الموكَل إليه،
كي يحظى بالقبول، ويخرج العمل بأبهى صورة.
لكن… هل تساءلنا يومًا: كيف كان قبل المشهد؟ أين حقيقة ذلك الإنسان الذي نراه سعيدًا، أو حزينًا، أو مستاءً، وفق ما يفرضه النصّ الذي يؤدّيه؟
أحيانًا يسيطر عليه الحزن، فنقف لحظة نتأمل الموضوع المطروح، ونسأل: ماذا يوجد خلف الكواليس؟ ابتسامة بلا معنى… سوى أننا نُخفي خلفها كلّ أنين وألم، نتصنّعها كي لا يظهر الحزن القابع في أعماقنا،
والوجع الملازم لنا.
نُخفي الكثير… والكلّ يرانا من خلف الكواليس، لا من داخلنا.
لكن… ماذا خلف الكواليس حقيقة تُؤلم إن أنصتنا لتفاصيلها، وحقيقة تُبكينا إن دقّقنا في معانيها.
معانٍ لم نجد لها أجوبة، وحروفٌ لم تعثر على نقاطها لتظهر بمعناها الصحيح، كواليس حجبت عنّا الكثير من الحقيقة. كلٌّ منّا يُخفي شيئًا خلف تلك الجدران الصامتة، خلف كواليس خادعة، فنُظهر حقيقةً لم نكن نتوقّعها.
لماذا؟ أنا لستُ كاملًا، أنا لستُ حقيقيًا تمامًا، أرتدي قناعًا يُخفي خلفه ألف سؤال، وفلترًا يُظهر لي ما وراء كل شيء، نعم… هذه هي الحقيقة التي لا يعرفها الجميع من حولي، يظنّون أنني إنسان لا يُخفي شيئًا، لكن ذلك غير صحيح، أنا من بكى، فأبكى الجميع بصمتي، أنا من اشتكى، فاشتكى الأنين من وجعي،أنا من سهر، فأسهر النجوم من حزني، أنا الظلام الذي أطفأ النور بدمعي، أنا الغريب الذي لم يجد الأمان في وطنه، أنا البحر الذي لا نهاية له، فأغرق الحلم والسفن.
هذه حقيقتي… وهذا ما أُخفيه، فهل تُدركون ماذا يوجد خلف الكواليس؟ البعض منا يعيش، ويتقن التمثيل، كي لا يظهر على حقيقته، لماذا؟ تتساءلون…
الأجوبة تحيط بنا، لكننا لا نعرف إلى أين تقودنا، بداخلنا كلمات لم نفهم معناها الحقيقي، وبداخلنا مسافات عجزنا أن نصل إليها، وبداخلنا أنين لا يشعر به أحد، إلا من فهم صمتنا، وأدرك شعورنا، وأتقن قراءة حروفنا التي بلا نقاط.
شواطئنا بلا مرافئ، وأمانينا تبحر دون مرسى، نحن خلف الكواليس… نختبئ وراء وجوهنا المرسومة بعناية، نتنقل بين الضوء والظل، نخفي دموعنا خلف ابتسامة، ونخفي صمتنا خلف ضحكة مزيفة.
أحيانًا، نتساءل: هل هناك من يقرأ ما بين السطور؟ هل هناك من يرى الألم المخبوء خلف العيون؟ أم أن الجميع يعيش على سطح القناع، دون أن يغوصوا في أعماقنا؟
كل مشهد نؤديه… كل كلمة نلقنها….هي محاولة لإرضاء العالم، لكننا نحن… نضلّ نبحث عن مساحة صغيرة نستطيع أن نكون فيها نحن حقًا، ورغم كل هذا التظاهر، هناك لحظات .. لحظات صمتٍ عميق، تنهار فيها الأقنعة، فتخرج الحقيقة كما هي، بلا رتوش، بلا تزيين.. الحقيقة… أنَّنا وراء الكواليس أكثر وضوحًا مما نظن، أكثر هشاشة مما نظن، وأكثر إنسانية مما يُرى على المسرح الكبير .. لذلك… عندما ترى ابتسامة على وجه أحدهم، تذكر…
ربما هناك قصة لم تُروَ، ربما هناك دمعة لم تُمسح، ربما هناك قلب يئن… خلف كل قناع.
وفي النهاية، جمال الحياة ليس في ما يراه الناس، بل في ما نحمله نحن… خلف الكواليس.


