بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعي
يقول أحدهم: ولدت وانفصل والداي، أخذتني أمي إلى قرية ريفية فقيرة مليئة بحقول القصب. عندما كنت في الرابعة تزوجت أمي من جديد، كان الرجل فقير يعمل في البناء لا يملك بيت، ولا مال سوى ظهر نحيل، بشرة محترقة، ويدان متشققتان من الإسمنت. لم أكن أحبه، كان يغادر باكرًا، ويعود متأخرًا ورائحته خليط من العرق والغبار لكنه كان أول من أصلح دراجتي القديمة، وأول من رقع لي حذائي الممزق. وعندما كنت أُحدث فوضى، لم يكن يوبخني بل ينظف المكان، وعندما تعرضت للتنمر في المدرسة، لم يصرخ في وجهي كما كانت تفعل أمي؛ بل جاء بهدوء بدراجته القديمة ليقلني، وفي طريق العودة لم يقل سوى جملة واحدة:”لن أجبرك أن تناديني أبي، لكن اعلم أن عمك صابر سيكون دائمًا خلفك إذا احتجت إليه”. منذ ذلك اليوم صرت أناديه العم صابر. كان يعود متأخرًا وعيناه غائرتان من التعب ويداه ما تزالان ملطختين بالجير والمونة. مهما بلغ إرهاقه، لم ينسَ أن يسألني: “كيف كان يومك في المدرسة؟” بالرغم أنه لم يكن متعلمًا تعليمًا عاليًا، لكنه كان دائمًا يؤكد: “قد لا تكون الأول في الصف، لكن عليك أن تجتهد أينما ذهبت، سيحترمك الناس بعلمك”. كنت طالبًا مجتهدًا، اجتزت امتحان القبول بجامعة الأزهر، بكت أمي لأنها لا تملك متاع ذو قيمة فتبيعه؛ وفي اليوم التالي باع عمي دراجته النارية الوحيدة، وتمكن من إرسالي إلى الجامعة وعندما أوصلني ارتدى قبعة قديمة، وقميص مجعدًا، حمل صندوق هدايا من البلدة، عسل أسود، جرة جبن، وعدة أكياس من الكشك، وقبل أن يغادر السكن الجامعي، نظر إليّ وقال:”ابذل جهدك يا ولدي، ادرس جيدًا”.
حين فتحت الصندوق وجدت أسفل الطعام ورقة صغيرة مكتوب فيها: “عمك صابر لا يفهم ما تدرسه، لكن مهما كان ما تدرسه، عمك صابر سيعمل لأجله”. درست أربع سنوات في الجامعة، ثم واصلت الدراسات العليا، ويوم مناقشة رسالتي للدكتوراه في كلية الزراعة جامعة الأزهر، توسلت لـ لعم صابر طويلًا حتى وافق على الحضور، استعار بدلة من ابن عمه، وحذاء أضيق من مقاسه وجلس في الصف الأخير من القاعة، يحاول الجلوس باستقامة، عيناه مثبتتان علي، عم صابر كان بانيًا لأكثر من مجرد بيوت. لقد بنى الأمان، وبنى المستقبل. شهادة الدكتوراه قد تحمل اسمي، لكن كل حرف فيها منقوش بعرقٍ سالَ من جبينه، وبالشقوق التي حفرت في كفيه، وبالليالي التي عاد فيها مرهقًا ومع ذلك سألني: “كيف كان يومك في المدرسة؟ القصة من حساب.farid- alshahwarzi.
بين سطور هذه القصة يكمن الحُب، الحنان، والتضحية، فأي عطاء يحمله هذا الرجل في داخله؟
لم يوبخه يومًا، بل كان يكتفي بكنس الفوضى التي خلفها، لم يصرخ في وجهه عندما تعرض للتنمر، بل جاء بهدوء ليقلّه على دراجته القديمة، قائلًا بكلمات قليلة: عمك صابر سيكون دائمًا خلفك. لم تكن الأبوة في قاموس عم صابر كلمة تُفرض، بل فعل يُمارس.
ذكرني هذا الرجل بامرأة لم يرزقها الله بالذرية، وقد مدت يديها لتربية أبناء ضرتها سهرت الليالي، وكان قلبها يغمره الحب كينبوعًا لا ينضب، يمنح الدفء بلا انتظار ثمن. لقد مارست الأمومة بأبهى صورها؛ عطاءً خالصًا ومحبةً متدفقة، أما الأخرى فمنحت زوجها وحبيبها جميع الأدوار ولم تكتفِ بدورٍ واحد، فكانت الأم التي تحتضن وتُعين، والزوجة التي تشارك المسير، والحبيبة التي تملأ الروح، والصديقة التي لا تخون. سخّرت له قلبها، وأمطرت عليه بما تملك. وعندما شاءت أقدار الحياة أن يفترقا، لم تنكسر روحها. لقد قالت بصدق: لستُ نادمة على شيء، فالحب ليس صفقة، بل فيضُ نور أهديته لمن أحب.
في عالمٍ يزدحم بالمتطلبات والمصالح المتبادلة، حيث بات الحنان عملة نادرة والعطاء مرهونًا بـ ماذا سأستفيد؟ نبحث عن المكاسب السريعة والثمار الفورية لأعمالنا، تشرق علينا أرواح نادرة كالنور في العتمة، إنهم أشخاص لا تحتاج طيبتهم إلى تبرير، ولا حنانهم إلى سبب، بل هو تدفق طبيعي كالماء من النبع، هنا نتحدث عن قلوب كبيرة وحنان فيّاض لا يعرف حدودًا، إنهم أولئك الذين يسكبون وقتهم وجهدهم للطرف الآخر، فيشعر الواحد منهم أنه يقدم شيئًا ثمينًا.
يقولون إن السعادة تكمُن في العطاء مع عدم انتظار الأخذ، لا ينتظرون كلمة شكرًا، أوأعترافًا بالجميل، أو خدمة في المقابل، يعطون ليس لأنهم يريدون شيئًا، بل لأن أرواحهم هكذا بالفطرة، ولأنها وبكل بساطة لا تستطيع أن تكون غير ذلك. جعلت من العطاء غير المشروط منهجًا للحياة، هذه الشخصيات ليست مجرد مثال على الطيبة، بل هي مدرسة في الإنسانية الفطرية؛ تذكير لنا بأن أجمل ما في الحياة هو البذل الصادق، عطاء هادئ لا يُعلَن عنه في المجالس، بل هو فعل خالص ينبع من دوافع داخلية عميقة. إن وجود مثل هؤلاء في حياتنا، هدية لا تُقدّر بثمن، تذكرنا بأن الخير لا يزال، وأن هناك قلوب تمنح دون أن تُسجل، فهي لا تمارس فعلًا عابرًا، بل تُطلق استثمارًا يضمن لها العائد الأكيد، قد يغيب الثناء، وقد يُنسى الجميل من الشخص الذي تلقى العطاء في لحظة معينة، وهذا هو الاختبار الحقيقي للنوايا، لكن الحقيقة المؤكدة هي أن هذا الفيض الخالص لا يتبدد في الفراغ أبدًا. وأنه سيُدلي عليه بثماره ولو لم ينتظر صاحبه شيئًا، وحقيقة أن ما يقوم به سيعود إليه بأثر مضاعف، ليس بالضرورة من نفس اليد التي أخذت، ففي قانون الحياة، كل فعل إيجابي هو موجة ترتد إليك بقوة أكبر، فإذا أعطيت من وقتك، سيبارك الله وقتك كله. وإذا منحت من عطفك، ستجد العطف يغمرك من أشخاص لم تتوقع منهم ذلك.
هو قانون اسمه الجزاء من جنس العمل (وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا )ما تفعله يعود إليك ولو بعد حين، يضمن أن ما يخرج منك بصِدق، يعود إليك بأضعاف مضاعفة من مصادر لا حصر لها؛ قد يكون في تيسير أمر عسير، أو دفع بلاء لم تره، أو محبة تُزرع في قلوب الآخرين لك.
في الختام، يُثبت لنا أصحاب العطاء غير المشروط أن الثراء الحقيقي ليس في ما نُحصِّل ونُخزِّن، بل في ما نَفيض ونَمنَح. هم دليلنا الحي على أن الحنان ليس ضعفًا بل قوة، وأن الخير ليس استثناءً بل فطرة أصيلة.
وأن العطاء هو ببساطة زرع لبذرة لا تموت، وأن الشخص الذي تلقّى العطاء قد ينسى، لكن البذرة لا تُنسى، إنها تنمو في بيئتها وتُثمر أثرًا يتجاوز الشخص المانح والممنوح. قد يكون هذا العطاء سببًا في تغيير حياة شخص آخر، فيستقيم سلوكه، أو يُصلح علاقته، أو ينهض من عثرته. هذا الأثر المتسلسل هو العائد الحقيقي الذي لا يُقدر بثمن.
لذا، فلتستمر هذه الأرواح النبيلة في بذلها السخيّ، مطمئنة بأن قيمة عطائها ليست في مقدار ما سترده الأيدي، بل في عمق الأثر الذي تتركه في الوجود.



