عندما يعود الحب بأشكالٍ أخرى

بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية

الأديب فرانكل كافكا، لم يتزوج ولم يكن لديه أطفال، كان يتنزه ذات مرة في حديقة ببرلين وقت الغروب، وجد هناك فتاة صغيرة تبكي، مضى نحوها، ثُم سألها: لماذا تبكين؟بصوتٍ خافت وحزن عميق: خرجتُ ومعي دميتي، لكنها ضاعت، اقترح عليها كافكا، بأن يبحثا سويًا، ربما يجدانها هُنا أو هُناك أو قد تكون اختبأت في الحقول، ولكنهما لم ينجحا في العثور عليها، فأخبرها كافكا بأن يلتقيان غدًا في نفس المكان ليبحثان مرةٍ آخرى. وفي صباح اليوم التالي التقيا وراح يبحثان عن الدمية ولكم محاولاتهما باءت بالفشل مرة أخرى، فعادت الفتاة تبكي، نظر كافكا إليها ثم مضى نحوها وقال: انظري، لقد عثرت على رسالة من الدمية، فأخذتها وقرأتها ببطء: عزيزتي، أرجوكِ، لا تبكِ، أنا فقط ذهبتُ لرحلة حول العالم، وسأكتب لكِ عن مغامراتي هُناكَ.
ضحكت الفتاة ومسحت عينيها، وهنا بدأت حكاية في حياة كافكا، صارا يلتقيان في تلك الحديقة، وفي كل مرة، يقرأ كافكا لها رسائل كتبها هو على أنها من الدمية، ويحكي لها عن مغامرات رائعة. ورأت الفتاة ذلك كله رائعًا جدًا وبقيّ كافكا والفتاة يلتقيان في الحديقة ويقرأ كافكا رسائل الدمية عن مغامراتها، وذات يوم اشترى كافكا دمية أخرى جديدة، وأخبرها أنها قد عادت أخيرًا، ظلت الفتاة تقفز في الهواء فرحًا حتى اعطاها إياها، فوقفت وقالت: لكن هذه ليست دميتي، فأخرج كافكا رسالة الدمية الأخيرة وأنها كتبت تقول: بأن رحلاتها غيرتها تمامًا، احتضنت الفتاة دميتها، واشترت لها بيتًا دافئًا، وبعد عام مات كافكا. ومرت سنوات إلى أن وجدت الفتاة، رسالة بداخل الدمية كتبها كافكا باختصار تقول: (الأشياء التي نحب معرضة للفقدان دومًا، لكن الحب سيعود دائمًا بشكلٍ مختلف).

قد نفقد من نحب، أو صديقًا نديمًا كان يشاطرنا حلو الحياة ومرها، فيجعل الضيق يتلبسنا والهم يتمكن منا، فتعزونا الوحدة وتسرقنا إلى عالمها، ولكن يأتي عوض الله بشخص لم نكن نتوقعه، ربما يكون قريبًا منا ونحن نجهله كالأخ والأخت أو الوالدين، فيغمرنا بالدفء لنكتشف أنه من أروع الأصدقاء. وقد نفقد وظيفة كنا نحبها وممسكين بها، رسمنا من خلالها آمالًا وأحلامًا مستقبلية، لكن يشاء الله بفقدها فنمر بأيامًا وليالٍ عجاف، ثم يأتي عوض الله بوظيفة أقل ولكن نكتشف من خلالها مواهبنا التي فتحت لنا أبواب من الرزق ما كنا لنتخيلها، والتي كانت مطمورة في روتين تلك الوظيفة، فنشعر بالرضا والغبطة والحبور تغمرنا.

حتى نحن ككتاب قد يصيبنا بمرور الوقت ضعفًا في بصرنا لكثرة تعرضنا للإضاءة من خلال الشاشات، وقد يكون أيضًا بسبب التقدم في العمر، فنشعر بالضيق لكن الله يعوضنا بقلب ذو بصيرة، فتخرج من لدنا كلمات معبرة ومؤثرة أكثر مما كنا ونحن في أوج بصرنا. يقول ابن القيم الجوزية: ما أغلق الله على عبدٍ بابًا بحكمته، إلا فتح له بابين برحمته.
هناك نظرية اكتشفها عالمان هما تيدسكي وكالهون وهي: (نمو ما بعد الصدمة) إذ يظهر أن هناك تغير نفسي إيجابي في جوانب عدة من حياة هؤلاء الأشخاص ومنها: قوة الشخصية؛ إذ إن الشخص بعد الصدمة أصبح يدير عواطفه وقرارته بشكل أفضل، وأصبحت لديه مرونة في تعامله مع الأحداث والتحديات التي يمر بها، كما أن نظرته أصبحت تتسم بالإيجابية والوعي من خلال تركيزه على اللحظة الراهنة والحاضر الذي يعيشه ولهذا أصبح يقدّر الحياة بشكل أكبر، وتمخض لديه أيضًا عملية تحول داخلي أعادت تشكيل وعيه نتيجة للتطور الفكري والروحي العميق، كما أنه تم لمس تحول إيجابي بشكل كبير في علاقاته الاجتماعية.

أتعلم أيها القارئ، أن هذا الفقد يحدث بنا تجوية تصقلنا من الداخل حتى النخاع، فنحن كثيرًا ما نحب أشياء ونتعلق بها لدرجة أننا نسعى حيثيثًا لتملكها، لكنها في الحقيقة هي من تملكنا وليس نحن، لأننا أصبحنا نرى العالم من خلالها، فيأتي الفقد ليحرر أرواحنا من قيود صفدت بها. يقول ابن عطاء الله السكندري: (ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء)، وهو ما حدث عند أم سلمه عندما توفي أبو سلمة رضي الله عنه، حزنت زوجته أم سلمة حزنًا شديدًا، فأرشدها النبي ﷺ إلى قول: (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها)، قالت في نفسها: ومن خير من أبي سلمة؟، لكنها امتثلت وأتبعتها، فعوضها الله تعالى بأن تزوجها النبي ﷺ، لتصبح أمًا للمؤمنين.كما أن الفقد يمنحنا نظرة بانورامية لأحداث حياتنا لنكتشف في نهاية المطاف أن هذه الظروف القاسية التي ألمّت بنا ما حدثت إلا لتفريغ مساحة لتزهر أرواحنا من جديد، كما أن الفقد يعلمنا دروس في الصبر والتجلد وأن هناك توقيت لكل شيء لا يحدث إلا بعد أمد بعيد فالله يقدر الأقدار ليكون العوض أروع مما كنا نتوقع.

وأخيرًا: جميعنا يمرُّ بالفقد، لكن تأكد أن ألطاف الله تحيط بنا، ربما لا يكون العوض شيء من جنس ما فقدناه، لكن الله يبدله لنا بهدوء في أنفسنا، وسكون في قلوبنا، ونظرة رضا للأشياء البسيطة من حولنا على أنها أجمل ما وهبنا الله.
عزيزي القارىء:
هل بكيت يومًا على فقد، واكتشفت لاحقًا أنه.. لا يستحق عناء الإلتفات؟