بقلم: عصماء بنت محمد الكحالية

الوالدان لا يتحدثان من فراغ
صوتهما مغطى بطبقات من زمن لم نعشه، زمن كان القرار فيه أثقل، والخطأ أغلى، والنجاة مهارة يومية!
نحن نرى الطريق مفتوحًا وهم يرونه مليئًا بالمنعطفات التي سقطوا فيها مرة ونجوا بالكاد مرة أخرى، هم لا يرفضون الجديد لأنه جديد، بل لأنهم يعرفون كم يكلف السقوط، ونحن لا نرفض القديم لأنه قديم، بل لأننا نختنق حين نُجبر على ارتدائه بمقاس لم يعد يشبهنا
المشكلة لا تبدأ عند اختلاف الرأي
بل عند اختلاف اللغة، نحن نتحدث بلغة الاحتمال، وهم يفهمون بلغة الخسارة، نحن نغامر لأن الخسارة مؤقتة، وهم يحذرون لأن الخسارة عندهم دائمة الندبة
حين يصرخ الأب، فهو لا يفرض سلطة، هو يعلن خوفًا لا يعرف كيف يسميه، وحين تصمت الأم
فهي لا توافق، هي تتذكر!
كثيرًا ما نخطئ حين نظن أن أفكارهم قيود، بينما هي في حقيقتها خرائط نجاة قديمة، ربما لم تعد صالحة لكل الطرق، لكنها رُسمت بيد مرتجفة تعرف معنى أن تضيع
ليس المطلوب أن ننسخ الماضي ولا أن نكسره، بل أن نفهمه، أن نضعه على الطاولة، ننظر إليه بهدوء، ونقول هذا خدم زمنه والآن نحتاج شيئًا آخر.
الذكاء الحقيقي ليس في الانتصار بالحجة، بل في الحفاظ على الجسر، الجسر الذي يعبر عليه الكلام دون أن يتحول إلى قطيعة، أن نختلف دون أن نهين، أن نرفض دون أن نُسقط الهيبة، أن نكبر دون أن نُشعرهم.
الوالدان لا يريدان أن يتحكما، يريدان أن يطمئنا، والاطمئنان لا يُنتزع، بل يُبنى ببطء، بأفعال صغيرة، بثبات، بصدق لا يستعرض نفسه.
ربما لن يفهموا كل خياراتنا، لكنهم سيفهمون احترامنا، وربما لن يقتنعوا بكل طرقنا، لكنهم سيشعرون أننا لم نتركهم خلفنا.
في النهاية
العلاقة ليست صراع أجيال، هي حوار خوف وأمل، من سبق ومن يلحق، ومن يحب بطريقته، ونحن لسنا مطالبين أن نكون نسخًا عنهم، ولا هم مطالبون أن يصبحوا مثلنا، كل ما نحتاجه ألا نحول الاختلاف إلى كسر، ولا الحب إلى ساحة اختبار، لأن بعض المعارك، حتى لو ربحتها ستخسر بعدها أشياء، لا يمكن تعويضها.
والسؤال يظل معلقًا في الهواء: هل نريد أن نثبت أننا على صواب؟ أم أن نصل بسلام إلى من ربونا؟ ونمضي جميعًا أخف وزنًا.. وأقل خوفًا؟





