الخـذلان

بقلم: د. طالب بن خليفة الهطالي

ليست كل العلاقات في حياة الإنسان سواء، بعضها يولد من مصادفة، ويحيا بعادة، ويموت بهدوء، وبعضها أعمق لأنه يترك أثرًا، لكنه مع الوقت يتلاش، لكن هناك علاقة مختلفة ونادرة، لا يولدها الدم، ولا تفرضها الحاجة، بل يختارها القلب بحرية: إنها الأخوّة المختارة، أن ترى في أحدهم “أخًا لم تلده أمك” لا يعني أنك منحته لقبًا لطيفًا، بل أنك اكتشفت فيه امتدادًا لنفسك، لا من حيث الشبه الظاهري، بل من حيث التكوين الداخلي، حيث تتقاطع أرواحكما على مستوى عميق، خارج جدول المصالح والمجاملات.

قد تبدو الأخوّة المختارة شبيهة بالصداقة، لكنها في جوهرها شيء مختلف تماما، فالصداقة مهما بلغت تظل غالبًا مشروطة بلحظة مشتركة أو اهتمام متبادل أو ارتياح نفسي، أما الأخوّة المختارة، فهي تماهٍ وجودي وشعور بأن الطرف الآخر لم يعد مجرد شخص بجانبك، بل داخل صورتك عن الحياة، كأنك لا ترى العالم بنفس الطريقة دونه، في غيابه لا تفقد جدولك اليومي، بل جزءا من إحساسك بهويتك لذلك، فإن خذلان هذه العلاقة لا يكون مجرد نهاية صداقة، بل زلزال داخلي يهزّ البُنى العميقة التي تفسر بها ذاتك والعالم من حولك.

أن تُخذل من شخص كنت تتوقع منه الخيانة أمر مؤلم لكنه مفهوم، أما أن تُخذل ممن رأيته أخًا، اخترته بقلبك، وسكنت إليه بثقة، فذلك وجعٌ من نوع آخر. هنا لا ينهار شخص أمامك، بل تنهار ثقتك بحكمك، باختياراتك، بقدرتك على التمييز، فأنت لم تفتح له بابك فقط، بل كتبت اسمه على أحد جدرانك النفسية وحين يُنكر هذا كله، لا يتهدم الجدار، بل يتشقق الداخل. الخذلان في هذا السياق لا يسطح على السلوك، بل يضرب في العمق، لأنك لم تُلزمه بشيء بل أعطيته بلا قيد، وحين يخون يبدو كأنك أنت من خنت نفسك لأنك كنت الواثق والمبادر والصادق.

أشار القرآن إلى رابطة أسمى من الدم، في قوله تعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] والمعنى أن النية الخالصة والقيم المشتركة تصنع أخوّة أرسخ من روابط الجينات ولهذا كان الصحابة ينادون بعضهم بلفظ أخي لا مجازًا، بل إيمانًا بأنهم اجتمعوا على معنى لا على مادة، كما عبّر المتنبي عن هذا المعنى في بيت عميق:

أخوّةُ الموقفِ أصدقُ من دمِ النسبِ ::: إذا غابَ الصدقُ، ضاعَ الاسمُ والرّحبُ.

في علم النفس يشير “كارل يونغ” إلى أن الرابطة النفسية التي تتشكل عبر التجربة المشتركة أرسخ من روابط القرابة غير المُفعّلة، هذه الأخوّة المختارة تبنى على تجربة ومواقف، وتشارك وجداني، لكن حين تنهار تحدث ظاهرة تُعرف بـالاهتزاز الإدراكي للثقة : لم تعد فقط تفقد ثقتك بالناس، بل تبدأ بالشك في نفسك، في استحقاقك للوفاء، في معنى النُبل ذاته، وهذا ما يفسّر الصمت الطويل، والانكماش الداخلي، والانعزال الذي يعيشه البعض بعد خذلان عميق.

أحيانًا لا يصنع الخذلان في لحظة الطعنة، بل يتراكم عبر سلوكيات صغيرة، ونوايا باهتة، وتعبيرات خفية، لم نرها حينها لأننا كنا نحسن الظن، ولكن بعد أن تهدأ العاطفة ويبرد الوجع، يحدث ما يسميه علماء النفس “بالوضوح المتأخر” حيث تبدأ في تجميع الشذرات، وتعيد قراءة التفاصيل، وتفهم أن العطاء لم يكن متبادلا، وأن مكانك في قلب الآخر لم يكن كما ظننت، وهذا ما عبّر عنه المتنبي ببلاغة:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته :: وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا

لا ينبغي لخيانة الأخوّة أن تفسد نقاءك، أو تُطفئ نورك الداخلي، بل ينبغي أن تُفهم على أنها مرآة كاشفة، لا ضربة قاتلة، فالخذلان لا يُصنع فجأة، بل غالبا ما يكون خفيا، يعيش في ظل التلميح، يظهر في لحن القول، كما قال تعالى:﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] إن المحبة إذا لم تضبط بالوعي، تتحوّل من دفء إلى خطر وهنا تتجلّى الحكمة: أن نُحسن العطاء، لكن دون غفلة، أن نثق، لكن لا ننسى أن الإنسان قد يغيّر وجهه فجأة.

إن كرامتك لم تهدر لأنك أعطيت من نفسك، بل ميزانك هو ما يحتاج للمراجعة، فلا تندم على الكرم، بل تأمل: هل كان المُكرم أهلا له؟ وإذا أعطيت بقلب صادق، ثم خُذلت، فهذه ليست خسارة بل تجربة، فيها نقطة ضوء تُعلّمك كيف تعطي مرة أخرى بوعي فليس كل خيبة خسارة، فبعض الخيبات ترتب الداخل كما يرتب الزلزال باطن الأرض، وبعض الطعنات لا تقتل، بل تُعيد توجيه البوصلة.

نخلص أن الخذلان لا يجب أن يجعلك تُغلق نوافذك على النور، والضعف الحقيقي ليس في أن تُخذل، بل في أن تفقد إنسانيتك بسبب خيانة الآخرين، بالعكس امنح من تحبهم الثقة، لكن احتفظ ببوصلة حكيمة تقرأ ما بين الكلمات، وما بين الأفعال، فالأخوّة المختارة تظل من أسمى الروابط، لكنها لا تعني الغفلة عن هشاشة الإنسان.