بقلم : درويش الكيومي

نحن – ولله الحمد – في «سلطنة القلوب» نمتلك ثروة وطنية وتراثًا طبيعيًا مميزًا يجعل من السياحة الداخلية عنصرًا بارزًا على مستوى المحافظات. إذ تحتضن القرى الجبلية سلسلة من الآثار والحصون والقلاع والكهوف التراثية والمائية، إلى جانب النقوش الصخرية وغير ذلك من الكنوز الأثرية التي يقصدها الزائر ليستمتع بجمال السياحة الداخلية ويجد فيها متنفسًا طبيعيًا.
في هذه الجولة، التي يسعدني نشرها عبر مجلة «حبر الوطن» الإلكترونية، سأتحدث عن أحد الأودية الشهيرة في ولاية السويق، وهو وادي الجهاور؛ اسم على مسمّى، ويُعدُّ من أجمل الأودية السياحية. ويُقال إنّه اكتسب هذا الاسم لكثرة الحلل والقرى السكنية التي تزخر بتاريخٍ عريق وتراث حضاري، وتضمُّ مواقع أثرية وبيوتًا تقليدية وثروةً زراعية وحيوانية، بالإضافة إلى القلاع والحصون والمقابر والأبراج والأفلاج والعيون المائية. كما تتميز جباله بموارد طبيعية مثل الرخام الذي تشتهر به قرية الحور.
يمكن الوصول إلى الوادي عبر الطريق المعبَّد، سواءً من منطقة الخضراء أو من جسر الطريق السريع، وهو الأقرب مسافة. ويضمّ الوادي أكثر من عشر قرى، منها: الحور، الحيلين، المبرح، بدت، الودية الحدرية والعلوية، المسيفية، الحلوة، الفريعة، هزم فريج، القلول. وقد حظيت هذه القرى بالعديد من المنجزات الخدمية كسفلتة الطرق، وإيصال التيار الكهربائي، وبناء المدارس الحكومية والخاصة، وتوفير خدمة المياه، ومحطات إرسال الهاتف النقال، والمجالس العامة، والجوامع والمساجد؛ كل ذلك تحقق في العهد الزاهر للمغفور له – بإذن الله – السلطان قابوس بن سعيد.

ومن المعالم التراثية في الوادي: الكهوف والأبراج والحصون والبرك المائية. وتتميّز قرى الوادي بوجود بيوت طينية شُيِّدت بالحجارة والطين والصاروج وجذوع النخيل والسعف والحبال والأخشاب، إضافةً إلى أشجار السدر والسمر وغيرها من الأشجار الصلبة. لكنّ أغلب هذه المواقع أوشكت على الاندثار وتحتاج إلى ترميم من الجهات المختصة حتى تستعيد صورتها الطبيعية. وقد شُيدت البيوت الطينية للسكن الدائم، أما القلاع والحصون والأبراج فكانت للحماية والرقابة، حيث استُخدمت في بنائها مواد صلبة كالحجارة والتربة الحصوية المتماسكة التي تقاوم العوامل الطبيعية والمتغيرات المناخية.
في قرى الوادي وُجدت العديد من الرسومات والنقوش الحجرية ذات الطابع المسماري، تعكس طبيعة الحياة وتوثّق أحداثًا مختلفة على الصخور والجدران والكهوف. وتُظهر هذه الرسومات مراحل متعددة عاشها الإنسان بين الطمأنينة والخوف والكوارث الطبيعية الناتجة عن الأمطار وجريان الأودية. وتتنوع النقوش بين صور للحيوانات الأليفة والمفترسة والجِمال والخيول والعقارب والزواحف ووسائل الصيد التقليدية.
يضمّ وادي الجهاور ثلاثة أنواع من الأفلاج: الداوودية، العينية، الغيلية، ويصل عددها إلى ٢٢ فلجًا، مع وجود تقسيمات دقيقة للمياه في ري المزروعات تُسمى «البادة» أو «الأثر». وقد اعتاد الأهالي على تقاسم المياه إما بالإيجار أو بالشراء. وتوجد مصطلحات خاصة بنظام الري، مثل: الصوار، الساقية، الجواميد، العامد، الرابة، الضاحية، السابة، الجيل.

واهتمَّ الأهالي بالقطاع الزراعي لإشباع احتياجاتهم الغذائية، فزرعوا النخيل والمانجو والليمون والذرة والشعير والقمح والفجل والبصل والثوم والعنب والحمضيات، إلى جانب أشجار أخرى مثل السدر والسمر واللثب والحَبْن والحناء والشوع. كما استغلّوا أوراق بعض الأشجار – مثل الشوع – في المناسبات والأعياد لما لها من رائحة طيبة عند استخدامها في إعداد الطعام. ويعتمد أهالي الوادي أيضًا على تربية الماشية وتربية نحل العسل وصناعة السعفيات. ومن أصناف النخيل الشهيرة في الوادي: النغال، الخنيزي، قش طبق، الفرض، الخصاب.
ومن الأودية المتصلة به وادي السداني، الذي ينقسم إلى شقين (الحيل الشرقي والحيل الغربي)، وتصبُّ فيه عدة أودية مثل وادي المبرح، وادي المسيفية، وادي فقي، وادي بدت، وادي الفج. ويستمر جريانُه حتى يصل إلى جسر ضيان بولاية السويق، ثم يتجه إلى البحر لعدم وجود سدٍّ يحجز مياهَه، فتختلط – للأسف – المياه العذبة بالمياه المالحة. ولا يزال أهالي الوادي متمسّكين بالموروث الشعبي والفنون الأصيلة مثل الرزحة والقصافي والتغرود والعازي، التي تُؤدَّى في المحافل والمناسبات الوطنية والأعياد.
في الحقيقة، إن وادي الجهاور من أجمل الأودية السياحية في ولاية السويق، ويستحق الزيارة لقضاء يوم سياحي ممتع، حيث يتميز عن غيره من الأودية الجبلية بجوٍ معتدل وهواءٍ عليل خاصةً في أمسيات الشتاء. ومن يزر الوادي يستمتع بمعالمه الأثرية التي تعانق سفوح الجبال وتمنحه طابعًا طبيعيًا خلابًا وإرثًا حضاريًا متجذرًا منذ زمن الآباء والأجداد.
وأخيرًا، نتمنى من كلّ زائرٍ وسائحٍ يصل إلى قرى الوادي أن يحافظ على نظافة المكان قبل مغادرته؛ ليتمكّن الآخرون من الاستمتاع به، كما نأمل أن تكتمل الخدمات السياحية في كافة قرى وادي الجهاور ليبقى واحدًا من أجمل المقاصد السياحية في عُمان.




