بقلم: سميرة أمبوسعيدية
الحياة لا تعرف الثبات، وكل جيل يأتي محمَّلاً بأفكارٍ جديدة، وتطلُّعات مختلفة، وزوايا نظر لا تُشبه من سبقه.
بين جيلٍ تربَّى على البساطة، والاحترام، والروابط العائلية،
وجيلٍ نشأ في عالم السرعة والانفتاح والحرية الفردية،
ظهر صراع — أحيانًا خافت، وأحيانًا صاخب — بين الأصالة والتجديد، صراع يُثير تساؤلًا عميقًا:
هل تلاشت القيم؟ أم فقط غيِّرت ملامحها؟
—
أولًا: الفروقات الجوهرية بين الجيلين
– الجيل القديم: يتمسَّك بالتقاليد، يُقدِّس الاحترام، ويحيا بروح الجماعة، بينما الجيل الحديث: يؤمن بالحرية، يُطالب بالمساحة الشخصية، ويُجاهر برأيه دون حرج.
– التكنولوجيا لعبت دورًا كبيرًا في تعميق الفجوة بين الجانبين، حيث تغيًّرت طرق التعلم، وأنماط التفكير، وحتى وسائل التعبير عن المشاعر.
—–
ثانيًا: أبرز أسباب الصراع
– اختلاف مصادر التأثير: من الكتب والحوارات إلى الإنترنت والسوشيال ميديا.
– تغيُّر الأولويات: من القناعة بالقليل إلى اللهاث خلف الكمال المادي.
– رفض الجيل الجديد لبعض القيود، مقابل تمسُّك الجيل القديم بما يعتبره ثوابت.
– —–
ثالثًا: هل الصراع حتمي
ليس بالضرورة، فحين يُفتح باب الحوار الهادئ، ويُقابَل الاختلاف بالتفهُّم لا بالرفض، يُمكن لهذا الصراع أن يتحوَّل إلى جسر تواصل لا حاجز صدام، فالجيل الجديد لا يُنكر القيم، بل فقط يبحث عن طريقة تناسب زمنه ليُعبِّر عنها.
أما الجيل القديم، فحين يُرشد بحكمة، دون فرض، فإنه يزرع في الجيل القادم احترامًا لا يُشترى.
….
الحياة بين الأجيال ليست صراع بقاء، بل فرصة تكامل، فالجذور لا تعيق الأغصان من الامتداد، بل تُثبّتها، وكما أن الشجرة تحتاج إلى أصلٍ ثابت وفرعٍ ممتد، نحن بحاجة إلى الماضي والحاضر معًا، نحو مستقبل تُزهر فيه القيم، لا تُدفن، فلنُصغِ لبعضنا، ولنبنِ جسرًا من الفهم، لا جدارًا من الأحكام، ختاما ..
مشهد يجسِّد الفرق بين مفهوم “الخصوصية” عبر قصة قصيرة واقعية.
في زوايا البيت… تصادمُ أزمان!
الجد يجلس في المجلس، الباب مفتوح، القهوة تفوح، والأحاديث تدور بلا موعد. يرى أن المجلس بيت الجميع، وأن “البيت الهادي” ناقص دفء، يدخل حفيده عائدًا من المدرسة، يسلِّم ويصعد لغرفته بسرعة. الباب يُغلق، وسماعات الأذن تحجب كل الأصوات.
يسأله الجد بعد المغرب:
“ما تجلس معنا يا ولدي؟ لك يومين ما شفتك!”
يرد الشاب مبتسمًا، لكنه مرتبك:
“أحتاج وقتي لحالي شوي، أذاكر وأرتب أفكاري…”
الجد لا يفهم، في زمنه، “الخصوصية” تعني احترام الناس، لا الانعزال عنهم، أما الحفيد، فيرى أن غرفته ومساحته الخاصة هي الملاذ، هي عالمه.
هنا لا خطأ ولا صواب، بل اختلاف بين جيل يرى في المجلس دفء المجتمع،
وجيل يرى في العزلة راحة البال.
الدرس؟
ربما نحتاج أن نفتح أبوابنا قليلًا، وأن يفتحوا هم سماعاتهم أحيانًا، لنتقاطع في مساحة بين “الخصوص” و”الوصال”.





