
كتب: سعيد بن خميس الهنداسي
في لقاءٍ نادر وحديث شيِّق مليئ بالذكريات التي تفوح بعبق الماضي؛ يأخذنا خالي سالم بن عبيد بن حماد القطيطي بذاكرته الحية إلى عام ١٩٥٠م، أي قبل أكثر من ٧٥ سنة، حين كان يبلغ من العمر نحو ثلاثة عشر عامًا.
يقول: “في ذلك الوقت، كان والدي يملك (خشبة) وهي سفينة تُدعى سديرة، كانت تُستخدم في الصيد، والتجارة، وكانت مصدر الرزق الرئيسي لأسر كثيرة من أهلنا.”
وأضاف: “في منطقتنا كان الحديث بين الناس لا يخلو عن الكلام في البحر والغوص؛ كنا نسمع كبار السن يتحدثون عن مواسمه وأخطاره ومكاسبه، كان الغوص يعني الشجاعة والتضحية والبحث عن الرزق”.
ويقول: “أذكر أنه في أحد الأيام جاء خلفان بن ثاني القطيطي إلى والدي وقال له: “الحاج عبيد، ما تبانا نسير الغوص؟ إنت معك محمل، وأشوف واجدين من المناطق القريبة يسيروا، يمكن الله يرزقنا بشي من الرزق.”
قال له: “زين، مر على خلفان بن حماد وخبره بالموضوع.” “ومن تلك اللحظة، لم يعد الحديث سرًّا، بل أصبح بصوتٍ مسموع وفي العلن، وبدأت الفكرة تتبلور، في قلوب الرجال الباحثين عن رزق البحر، بدأوا يتحدثون ويتناقلون الخطط، وتحديد الموعد، ومن سيكون الغاصة، و(السيّوب) مفرد السيب وهو من يساعد الغواص على الانتقال من قاع البحر إلى السطح، وكذلك يقوم بالتجديف، ويقوم بأعمال السفينة الأخرى، وأخذت الاستعدادات تتسارع من تجميع الحبال وتفقد الأشرعة وكل ما يتعلق بالسفينة و(الماشوه): وهو قارب صغير يستخدم للتنقل بين السفينة والبر، وباقي التجهيزات المهمة وترتيب مؤونة الرحلة التي قد تستمر لأكثر من اسبوعين.”
أكمل حديثه قائلًا: “ ثم تم اختيار المجموعة التي تحتاجها هذه المهمة، وهم النوخذه عبيد بن حماد القطيطي، خلفان بن حماد القطيطي مساعد النوخذه، محدثك سالم بن عبيد القطيطي مساعد ومسؤول الخدمات، خلفان بن ثاني القطيطي وأخيه مبارك غواصين، مبارك بن محمد القطيطي غواص، علي بن راشد القطيطي غواص، خادوم بن عبيد القطيطي (جلاف) نجار، ومن الغليل: صالح الهنداسي غواص، خميس بن سليم الربيعي غواص، وشخص آخر هنداسي غواص.”
ثم يسترجع سالم لحظة وداع السفينة، عندما كانت سديرة تبحر من الساحل، يقول: “كان الأطفال يركضون خلفها، والنساء يُلوّحن بأطراف الشيلة، والرجال يُنادون بالتوفيق، كانت لحظة مهيبة، تحمل الفخر والخوف في آن واحد، كان الغواص بطلًا في أعين الناس، والبحّار رجلًا لا يُقهر.”
ويصف خالي صناعة اللؤلؤ بأنها: “نشاطًا موسميًا يستمر لأشهر الصيف، حيث تبحر قوارب الصيد إلى المناطق الغنية بالمحار، وكانت السفن في تلك الفترة لا تتوفر بها مكائن، فإذا كان المكان المقصود بعيد نرفع الشراع، وإذا المكان قريب نعتمد على (اليره) التجديف.”
ويواصل سرده الشيّق لذاكرة الغوص العمانية في خمسينيات القرن الماضي، قائلًا: “في أول يوم، سار المحمل بمحاذاة الساحل، نساير البر، قريب من بحر ثمانية إلى تسعة و عشرة، نُراقب اليابسة بعيون الشوق والخوف، وبعدها وصلنا منطقة تُسمى الصريمة قريبة من مركز ولاية السويق، حيث كان البحر أهدأ والعمق مناسبًا، وبمفهوم أهل الغوص يسمى (قوع) ويطلق على قاع البحر إذا كان مناسب لصيد اللؤلؤ، وفي صباح اليوم التالي بدأ الغوص الفعلي. الغواصون ينزلون واحدًا تلو الآخر، يضعون ما يحصدونه من محار في سلالٍ من الحبال ثم يتم تجميعها في مكان محدد على ظهر السفينة.” ولا يخلو عملهم هذا من مواجهة مخاطر عديدة، حيث أن نزولهم إلى أعماق البحر كان يتسبب في ضغط كبير على أجسامهم، بالإضافة إلى خطر الانفصال عن القوارب أو التعرض لحوادث الأخرى.”
“ثم يأتي دور (الفليجة) وهي المرحلة التي يتم فيها فتح المحار، بكل عناية، بحثًا عن اللؤلؤ، ولأنها مهمة تحتاج إلى شخص أمين، فقد وضع والدي عبيد بن حماد أخاه خلفان لهذه المسؤولية، ومن حسن الحظ، أن عمي خلفان التقط (حصباة) لؤلؤة صغيرة وتسمى أيضًا صفد من هذا الموقع، كانت كافيه هذه اللؤلؤة في زرع الابتسامة والبهجة في نفوس الجميع.”
تابع التكملة في الجزء الثاني..




