كتب:
إبراهيم السالمي

منذ أن خلق الله البشر وأنسنهم، كانت الحاجة ملحة إلى قوة غيبية مرافقة له، مثلما كانت الحاجة إلى الخبز والماء واللغة، هذا المعنى اتخذ عبر التاريخ صورا متعددة تظهر في التنوع المتعدد في كثير من المجتمعات البشرية على هذه الأرض، لكن أساس الفكرة ودلالتها بقي ثابتا في كل الحضارات والمجتمعات.
إنه ميل فطري يعبر عنه الحياديون من علماء الاجتماع بالدين ، ليس الدين الذي هو عند الله، إنما أعني الدين بمفهومه الجمعي المجتمعي دون الوصف بعقيدة محددة أو اعتقاد معين، الدين الذي يجعل كل جماعة بشرية تميل الى الرموز والقداسة والطقوس، وتنتج من خلال تلك المكونهات رؤيتها للكون ولذاتها، وهنا يصبح الدين جزءا من بنية الإنسان، بمنظومة قيمية روحية وأخلاقية.
في مساء يوم أمس، شهد النادي الثقافي محاضرة تحمل عنوان “أثر الدين والتدين من منظور العلوم التجريبية”، وكانت واحدة من أجمل الجلسات الفكرية التي نظمها النادي في الأشهر الماضية.
حيث قدم البروفيسور حيدر اللواتي مقاربة علمية رشيقة ودقيقة لأثر الدين على الإنسان من منظور العلوم الطبيعية والتجريبية، مظهرا كيف يمكن للطقوس الروحية والانتماء الديني أن يتركا أثرا ظاهرا مرئيا عند المختصين في تجاربهم على الجهاز العصبي والاتزان العاطفي والمناعة النفسية وأنماط السلوك المجتمعي أفرادا وجماعات بصورة عامة.
ثم جاء الدكتور شريف طوطاو ليكمل المشهد من زاوية العلوم الاجتماعية، مستعرضا أثر التدين على تركيبة المجتمع والهوية والذوق العام والتنوعات الثقافية عبر الدين.
وقد لفت نظري في حديث الدكتور شريف الإشارة المتكررة الى اعتمادنا الدائم على فلاسفة الغرب عند قراءة مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتساءل بثبات عن إمكانية تعميم الدراسات الغربية أو أية دراسة كانت على كل المجتمعات الإنسانية والتجمعات البشرية، وهذا أمر مفهوم، فكل مجتمع يتكئ على أدواته المعرفية ومنهجه الخاص في التحليل. ومن باب آخر يحق للغرب ذلك، ويحق لكل من يستشهد بهم أيضا، فهم المتقدمون علما ومعرفة، وهم أرباب فكرة فصل العلم عن الدين، والتي أتمنى أن نسبقهم في قراءة تجربتهم هذه في عملية تقديم العلم عن الدين وتفضيله في إدارة المجتمعات، قبل أن يسبقونا في تقييم تجربتهم فيعممون علينا نتائج تقييمهم ويطبقون علينا دراساتهم ونتائجها.
وعودة لما أريد قوله أن المشكلة ليست في الاستشهاد، بل في التعميم، فالتجربة الإنسانية في أوروبا مثلا ليست نموذجا يمكن نسخه كما هو في العالم العربي أو الشرق أو إفريقيا. لكل مجتمع خصوصيته التاريخية والثقافية والنفسية، ولا يمكن أن نخضع الإنسان لقراءة واحدة قادمة من بيئة محددة ثم نزعم أنها صالحة لكل البشر.وهذا ما أشار إليه أيضا الدكتور شريف في محاضرته، ومن هنا أنطلق من الحاجة إلى المصدر العالمي لتبني القيم الكونية لتكون جنبا إلى جنب مع العلم وتقدمه وتطوره، وما أحوج العالم في يومنا هذا إلى المصدر الموحد لتشريع المنظومة الأخلاقية قبل تشريع الدساتير والنظم والقوانين،
فالفكرة المركزية لهذا المقال هو أن الدين جزء من الإنسان الفرد ومن الإنسان المجتمع، ونحن أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نؤمن بكونية القرآن، لا بمعنى فرضه على العالم، بل بمعنى أنه يقدم منظومة قيم إنسانية تصلح للجميع، قيم تتجاوز الحدود وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، ولا تتناقض مع العلم الحديث وحاجيات إدارة المجتمعات البشرية في هذا الكون، فإذا كان علماء الاجتماع في العالم يدرسون التجارب المحلية، فإن القرآن يقدم منظورا أعمق يلامس الجانب المشترك من التجربة البشرية في كل مكان. وهذا الجانب المشترك هو ما يمكن أن يخاطب العالم كله بقيم العدل والكرامة والخير والرحمة والانضباط والمسؤولية والأمن والسلام والتعلم والتفكر والتدبر والإبداع والابتكار.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لي فيه ألف شريك وإن لم أقف على تساؤولاتهم جميعا، أين هو المشروع الفكري الإسلامي الذي يخرج من ضيق القراءة الفقهية إلى رحابة القراءة الانسانية؟ أين الباحث الذي يستطيع أن يعرض للعالم إنسانية القرآن، لا بوصفه نصا دينيا موجها لجماعة، بل بوصفه منظومة قيم مشتركة تتكامل مع ما أثبته العلم الحديث في ميادين إدارة البشر؟
قد يعترض معترض قائلا أن هذا الطرح هو ذاته طرح ضيق من منطلق ديني خاص بأتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن البوذي واليهودي والهندوسي وغيرهم لن يتقبلوا منطلقا يستند على القرآن أو إليه، وهذا صحيح جزئيا، لكنه لا ينقض جوهر الفكرة في شيء، فإمكان تقديم هذه القيم لا يحتاج إلى فرض سند ديني عليها، بل يمكن تقديمه من زاوية أكثر اتساعا، هي زاوية المواطنة الكونية الحديثة، التي تدعو إلى قيم موحدة يتفق عليها البشر بصفتهم بشرا، لا بصفتهم اتباعا لأديان بعينها.
فإذا كان الدين جزءا أصيلا من الإنسان، وكانت القيم جزءا أصيلا من الدين، فإن الرابط بينهما يقود بالضرورة إلى مفهوم أشمل وهو الدين مواطنة كونية، وليس بمعنى تحويل العالم إلى جماعة واحدة، بل بمعنى الاعتراف بأن الإنسان أي انسان كان، يحمل في داخله نواة روحية وأخلاقية تتشابه مع غيره مهما تباعدت الأديان والمجتمعات، وهذا التشابه هو الذي يعمر الأرض المشتركة التي يمكن أن يلتقي فيها الجميع، ويسهم فيها الجميع، وينهض بها الجميع.
وهكذا يصبح الدين، في أفقه الأوسع، لغة اخرى من لغات الانتماء الإنساني، لا تلغي الاختلاف، بل تضيء ما يجمع بين البشر. لغة تستطيع أن تخاطب العالم من دون أن تتعالى عليه، وتوسع من مفهوم المواطنة حتى تبلغ مرتبة الكونية، حيث يصبح الإنسان غاية، والقيمة جسرا، والاختلاف ثراء، والدين عنصرا أصيلا في الهوية الإنسانية الكبرى.




