
بقلم /عواطف السعدية
الألم تجربة ذات أبعاد إيجابية لو تأملها البشر بشكل أعمق, يقول برايان تريسي: كل تجربة هي تجربة بناءة فعالة إذا ما اعتبرت فرصة للنضج والتعلم والضبط النفسي, ولو أدرك البشر حقيقة الألم لعلموا أنه نعمة عظيمة وهبة جليل ومنحة كبيرة، لفوائده الجمة ومنافعه العديدة، وبعد تقليب النظر وأعمال العقل وإمعان التنقيب رصدت لك شيئاً من فوائد الألم لعلها تسري ما بك وتخفف عنك.
والألم مع (الصبر) نعمة تستوجب الشكر، فيطهِّر الله به الإنسان من الآثام والذنوب وترفع بها منزلته، بل إن الله إذا أحب عبداً واصطفاه ابتلاه، فالألم يصهر مَعْدِن الإنسان المسلم، فتصفو رُوحه، ويزكو خلقه، وتَطْهُر نفسه.
الألم يعلم الصبر ويصقل الروح ويصلب القناة فالعمل الشاق يزيد المرء قوة وقدرة على تحمل الأعباء، والشعوب التي تعاني لا شك أنها أكثر قوة وأشد ثباتاً وأقدر على مكابدة النكبات, واحتمال أن ينجح من لا يجد معوِّقات في حياته ولا تهب عليه رياح عاصفة تصل للصفر! بل ويفقد الإنسان إحساسه بالحياة ومعها توازنه، ويصير إلى حالة يرثى لها إذا فقد التحديات وهي التي قد تسبب شيئاً من الألم
الألم يستنهض (الهمم) ويقوي الإرادة، الآلام تقوي العزيمة والإرادة، وتثبت دعائم الرجولة الحقة، فيكتسب المسلم حصانة من آلام الحياة، ويستمد من مقاومتها قوة وصلابة يستطيع بها مواجهة صعوبات الحياة وظروفها القاسية؛ فألم الإخفاق يبصر صاحبه بطريق النجاح، وألم القهر والتسلط يدفع صاحبه إلى البحث عن طريق الحرية، وألم الندم على المعصية يقود إلى لذة الطاعة، وألم الفقر يخطو بصاحبه صوب الغنى
الإنسان إن إراد أن يكون ألمه نعمة فلا بد أن أن يصبر إن زاره متحلياً بالعزم راضياً بقضاء الله وقدره لا يجزع ولا يكثر الشكوى ولا يسخط فالإيمان بالقضاء والقدر حالة إيمانية شعورية راقية تقدم الدعم المعنوي الكافي للسير في رحلة الحياة وتقوي قدرة المكروب على إكمال الطريق ولا تحول بينه وبين الأمل والتفاؤل والسعي لتحقيق أهدافه وأن يبادر ويعمل على التخلص منها أو على الأقل تخفيفها مؤمناً بأن سحائب الألم سريعة الانقشاع ورياح الوجع قريبة السكون وتأكد أن في الحياة لا ثمة مواقف ولا مشاهد ولا نكبات في الحياة ميؤوس منها فالحالات التي لا يُرجى الخلاص منها ولا الانفكاك من تبعاتها نادرة جداً,
ونحن لا ننشد الألم ولا نطلبه فخير ما سأل الله المسلم هو العافية مع كل شيء تراه سلبياً معتقداً إيجابياً ستصبح عندها شخصاً فعالاً وسترى في هذا الكون الجمال وستكون أكثر عطاء وأعظم تفاؤلاً وجزماً أكثر نجاحاً وسعادة.
الألم يفجر الأبداع ويصور الجمال؛ فالشاعر الذي تقارضته الهموم وتنازعته الذكريات وبات يساير النجوم ويتقلب على الجمر كاسف البال منقبض الصدر؛ جزماً سيجلي عن نفسه بأبلغ البيان وسيعبر عن ضميره بأرق العبارات وسيبلغ بأبياته كنه القلوب وسيسحر العقول ويخلب القلوب.


