بقلم: خميس الذيابي

في ذكرى تولّي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في سلطنة عُمان، لا تقف الكلمات عند حدود التهنئة، ولا تكتفي السطور باستعادة مناسبةٍ وطنيةٍ عزيزة، بل تنفتح الذاكرة على مسارٍ ممتدٍّ من المجد، وتتشكل الكتابة بوصفها فعل وفاء، وشهادة انتماء، ورسالة وعيٍ من جيلٍ آمن بأن الوطن فكرةٌ تُبنى، ومسؤوليةٌ تُحمل، وحلمٌ يُصان.
إننا، كشبابٍ عُمانيين، نكتب اليوم من موقع الشاهد والمشارك، لا من موقع المتلقي فقط، نكتب وقلوبنا معلّقة بعُمان التي تعلّمنا منها معنى الدولة، وعلّمتنا القيادة فيها أن الاستقرار ليس صدفة، وأن النهضة ليست شعارًا، وأن الإنسان هو غاية كل مشروع وميزان كل سياسة. ومن هذا المنطلق، تحمل حبر الوطن صوتنا إلى الفضاء العام، صوتًا يفيض تقديرًا لقائد المسيرة، وامتنانًا لوطنٍ احتوانا، وثقةً بمستقبلٍ نصنعه معًا.
لقد كانت النهضة المباركة التي أرسى دعائمها السلطان قابوس بن سعيد — طيّب الله ثراه — نقطة التحول الكبرى في تاريخ عُمان الحديث؛ نهضةٌ لم تكتفِ ببناء الحجر، بل شيّدت الإنسان، وصاغت الهوية الوطنية الجامعة، وربطت الماضي العريق بالحاضر المتطلّع. وفي ظل قيادته، تشكّلت الدولة العُمانية الحديثة على أسسٍ من السيادة، والعدالة، والعلم، والسلام، حتى غدت عُمان نموذجًا للاستقرار والحكمة في محيطٍ مضطرب.
ومن ذلك الإرث العميق، انتقلت الأمانة إلى السلطان هيثم بن طارق، فحملها بعقل الدولة ورؤية المستقبل، مؤكدًا منذ اللحظة الأولى أن النهضة مسارٌ متجدد، وأن الوفاء للماضي لا يكتمل إلا بالقدرة على صناعة الغد. فجاء خطابه جامعًا، ونهجه هادئًا، وخياراته محسوبة، واضعًا نصب عينيه بناء مرحلةٍ جديدة تقوم على التخطيط، والحوكمة، والكفاءة، وتعظيم العائد من الموارد، وتوسيع دائرة المشاركة الوطنية.
إن المرحلة التي نعيشها اليوم ليست مرحلة شعاراتٍ عاطفية، بل مرحلة عملٍ عميق وإصلاحٍ مسؤول، تتجسّد ملامحها في رؤية عُمان ٢٠٤٠ ؛ تلك الرؤية التي تمثل عقدًا وطنيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع، وتفتح أفقًا رحبًا لاقتصاد متنوع، ومجتمع منتج، ودولة فاعلة. رؤيةٌ تجعل من الشباب ركيزةً أساسية، لا باعتبارهم طاقةً مؤجلة، بل شركاء حقيقيين في التنمية، وحملة أفكار، وصنّاع تغيير.
وفي ظل هذه الرؤية، تتشكل معادلة المرحلة القادمة على أسسٍ واضحة: تمكين الكفاءات الوطنية، الاستثمار في التعليم النوعي، دعم الابتكار وريادة الأعمال، تعزيز الاقتصاد المعرفي، وتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة تصل إلى كل شبرٍ من هذا الوطن، وهي معادلةٌ تتطلب وعيًا مجتمعيًا، وإحساسًا عاليًا بالمسؤولية، وإيمانًا بأن النجاح لا تصنعه القرارات وحدها، بل تصنعه السواعد والعقول حين تلتقي على هدفٍ واحد.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن عُمان تسير بثبات، حتى في أحلك التحديات، مستندةً إلى قيادةٍ حكيمة تُحسن قراءة الواقع، وتُجيد إدارة التحوّلات، وتؤمن بأن الاستقرار الحقيقي هو ذاك القائم على العدالة والفرص وتكافؤ المسارات، ومن هنا، تتعزز ثقة المواطن، ويقوى ارتباطه بوطنه، حين يرى أن صوته مسموع، وأن جهده مُقدّر، وأن المستقبل يُرسم بعناية لا بعجلة.
وفي هذه الذكرى المجيدة، نكتب لنقول إن عُمان ليست مجرد وطن نسكنه، بل معنى نسكنه، نكتب لأننا أبناء نهضةٍ تعلّمنا فيها أن حب الوطن عمل، وأن الولاء مسؤولية، وأن القيادة الحكيمة نعمة تستحق الشكر والدعم، نكتب وفاءً لباني النهضة، وثقةً بقائد المسيرة، وإيمانًا بأن القادم — رغم تحدياته — يحمل في طيّاته فرصًا كبرى لوطنٍ يعرف طريقه، ويؤمن بذاته، ويتقدم بثبات.
حفظ الله عُمان، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق قائدها لما فيه خير البلاد والعباد، وجعل من شبابها عماد نهضتها المتجددة، وسرّ استمرار مجدها.






