أكتب… لكن لمن؟

الكاتب: جاسم بن خميس القطيطي

فقدتُ شهية الكتابة، وهذا نموذجٌ حقيقي من صراع الاقتناع بأمرٍ يعنيك، حيث ليس هناك من يتلمّس حروفك.
السؤال الذي حاولنا أن نخفيه مرارًا وتكرارًا: لماذا نكتب؟ كأنني أسأل وأجيب نفسي، وكأنني أحاكي حالي. هكذا هو مفعول الكتابة؛ تصدر رونقها داخلي، وليس هناك من يردّ النداء. ناديتُ حتى انقطع ذلك الصوت من شدة الإزعاج وطول الارتفاع. ليس هناك من ينطق، وكلهم في وادٍ غير ذي وادٍ.

والإجابة عن سؤال: “لمن تكتب؟” هي خاصية فيك. تكتب لذلك الإلهام الذي في داخلك، بينما من حولك لا يهتمون بكل ما تنطق به، ويقولون: أضغاث أحلام، وهم “الأصحاء”، وأنتَ “المتوهم” بذلك الإبداع الغامض. هي دُرن الكتابة، تخاطب بها حالك، ومن حولك صُمٌّ بُكمٌ فهم لا يرجعون.

ولا زلتُ لا أشعر بهؤلاء من حولي عندما أكتب، فقد تيقّنت أنني أخاطب “أشباه” غير مكترثين، تمرّ عليهم السطور بلا إدراك ولا قراءة، كلها محاولات فاشلة، ولا يرمقون تلك الحروف إلا بنظرة لا أدري أهي شرعية أم تحتاج إلى فتوى، وهي بعيدة عن مخيّلات عقولهم. لذا لا أمزح عندما أقول: “فاقد شهية الكتابة”، وبكل غرور، نكتب لمخاطبة دواخلنا، وهؤلاء من حولنا يقفون بدور المتفرج. حتى الفرجة، البعض لا يفقهون أحكامها، للأسف.

الكتابة هي ذلك المذاق الذي تُلقي فيه كل أوتار همومك، سواء كانت إطلالة أو محاورة أو إبداعًا أو صناعة للكلمة وريشة الرسام. أيضًا، تخاطب بها كل العقول، وهي متعددة وتضج بالافتراء القولي والفعلي بدغدغة حانية، لها أبعاد من ذلك الإلهام المُضني، شديد الأناقة والحنية، وأثرها في قلوب من تصله.

نحتاج إلى وضع صورة لافتة من مفهوم الكتابة، يبقى رنينًا يتناغم به كل المتذوقين، لنُبرز عبق ما نكتبه، ويهمس برائحة عطرة من تلك الإيحاءات، وتدوين مضمون من رشفة جليلة تُنير العقول، وتُجدد نبضات العطاء نحو ممالك الإبداع، وسياقٍ برصانة غاية في التألق، تحاول عصر تلك الأفكار ومجاراة الأحداث، وبسطها على الواقع المرير، وتودّ بعناق عميق من الجميع لمفهوم الكتابة، أن تحاول إيجاد علاقة بها، حميمية في القبول والتذوق، وتُطلق العديد من العناوين وصولًا إلى ذلك الإقناع لرغبة تلك الكتابة وتفعيل رأي الجميع.

وصنيع الكتابة هو ذلك الجهد المضني، والإجهاد العميق الذي يكاد ينهش خلايا الدماغ. تشعر أنك وحدك في هذا العناء، فلا أحد يتحسس وجعك. الجميع تائهون في بحرٍ من الجهل، يضحكون على الذقون، كأنهم دمى تتحرك بلا عقل أو وعي.

اتركوني، فأنا حقًا فاقد لشهية الكتابة. أبحث عن عناق صادق مع أفكاري وحدي، بينما من حولي يبحثون عن إدراك سطحي، ينجذبون فقط لبريق زائف، وواقع غراميّ ساذج، من فكرٍ جاهلٍ ومجهول.

لا زال العبق الأسبوعي من حرّية اسم المجلة الإلكترونية التي تخصص لي مساحة، ينتظر رونق الكتابة والإشراقة الأسبوعية، ولا يعلم هؤلاء في عشيرتي وقريتي، لا يتأملون، ولا ينطقون، إلا من رحم ربي…

فاقد شهيتي في الكتابة، أبحث عمّن يراقصني ككلمات ماجدة الرومي، ولا أجد.

السلام لمن يقرأ العبارات بجفاء فكري ونبض بلا أداء. حارت الكلمات وتلاشت، لمن يقرأ تلك الحروف ولا تجد الملتقى الحاضن.

فاقد شهيتي في الكتابة، مع التحية لأصدقائي في تلك المجلة الإلكترونية والطواف الأسبوعي. وكان الله في عونهم… هل أنتم أقوياء وتملكون القوة في عدم فقدان تلك الشهية في الكتابة؟