احترموا أيامكم الهادئة

بقلم: بدرية مبارك الدرعية

هل تعرف من هم القوم الذين قالوا “ربنا باعد بين أسفارنا”؟
هم قوم سبأ، أولئك الذين ازدهرت جناتهم في مهبِط الحضارة اليمنية، كانوا يتمتعون بنعم كثيرة، ومنها تلك المياه التي تنبع من بين جبلين عظيمين، إذ قاموا بإنشاء سد أسموه “سد مأرب” والذي كان له الفضل في احتجاز مياه السيول وتخزينها، فغرسوا البساتين والأشجار المثمرة على طول جانبي السد، فكانت مزارعهم جنان وارفة ممتده على طول الطريق. كانوا في عيشٍ رغيد، حتى أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار المتساقطة فيه، من كثرته و نضجه.
وذكر أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث، ولا من الدواب المؤذية لصحة هوائهم وطيب عيشهم. كانت قراهم متقاربة ويسودها الأمان، وتجارتهم ميسرة، فقد قيل إنهم كانوا يسافرون بين المدن دون الحاجة لحمل زاد أو ماء، لكثرة القرى وأمتداد الجنان، ثم بعد ذلك أصابهم البطر والملل والضجر من النعمة، فقالوا متذمرين: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾، فعاقبهم الله بما طلبوا، وأرسل عليهم سيل العَرِم الذي دمر سدهم وجناتهم وأزال تلك القرى المتصلة، فتباعدت أسفارهم، وتشتتوا في البلاد، وقيل أنهم تفرقوا بين اليمن والشام والعراق). لم يقدّروا النعم وسلبها الله منهم، وأصبحت قصصهم عبرة لأولي الألباب.

سؤال: هل تشعر أن كل يوم يمر عليك هو نفس اليوم الذي قبله وأن الأيام متشابهة لا جديد بها؟
هل تعلم أنك إذا أصبحت في سريرك الذي نمت عليه بالأمس لم يصبك سوء، روحك مقبلة على الحياة ببهجة، تزيح الستارة، وتنظر من النافذة، وتستقبل شروق الشمس، تبصر هذا النور وهو يتمدد، وتصغي إلى همس الوجود من حولك، ويشد مسمعك صوت طفلك وهو يناديك “بابا” ويهرع باتجاهك فتحتضنه وتشم رائحة، تجمعك سفرة واحدة مع عائلتك، تحتسي قهوة وتتلذذ بمذاقها، تتحرك بإرادتك حيثما تريد وليت وجهك وذهبت..إذًا أنت في نعمة كبيرة.

يقول الدكتور خالد المنيف: (احترموا أيامكم الهادئة، قدّروا أيامكم الهادئة، فإن مشهد واحد يربك حياتك، اتصال واحد يربك حياتك، اليوم الهادىء الذي تمر فيه وأنت آمن مطمئن ومن حولك، أقسم لكم بالله الإنسان العاقل يسجد لله شكرًا على أن اليوم مر بسلام، علموا من حولكم هكذا تدار الحياة).
عندما تسأل شخص تقول له “ما الجديد”؟ يقول لك بكل عفويه”لا جديد”! هنا حقيقة أتعجب!!..كيف لا جديد!!، نحن عندما ننام نموت موتة صغرى، هناك من يمسك الله روحه وهو نائم، وأخرى يرسلها فيستيقظ في الصباح..وينعم بحياة جديدة أخرى ويقول لحظتها: (الحمدلله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور).. إذًا عادت له الحياة مرة أخرى وهذه من أكبر النعم وأجلها.

قارئ العزيز: لا تتضجر من روتينك اليومي، فذهابك للعمل يعني أنك ما زلت على رأس عملك، ولا تبحث عن وظيفة، وغير مسرح من العمل.. لديك سيارة، غيرك في الشارع ينتظر من يقله.. لديك مؤونة تكفيك، وسقف يحميك وجدار يؤويك، وعائلة تدعمك وتسندك …إلا تستوجب هذه النعم شكرها؟
وأخيرًا أقول:( قدّروا أيامكم الهادئة فاليوم الذي يمر بسلام نعمة عظيمة.. لا تألفوا النعم، وتجحدوا شكرها، واحمدوا الله على ما أنتم به وأمتنوا له على أبسط الأشياء وجلها، وتذكروا أن النعم تدوم بالشكر..يقول ربنا جل وعلا في سورة إبراهيم الآية ٧”وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ”.