حوار: أشواق العمرية

في عالمٍ يتسابق فيه الناس خلف مصالحهم اليومية، تبرز شخصيات استثنائية تُعيد تعريف معنى الإنسانية والعطاء.
من بين تلك الشخصيات، تلمع عبير الرحبية — الممرضة والمتطوعة التي جعلت من الإسعافات الأولية رسالة حياة، ومن العمل التطوعي أسلوبًا يُنقذ الأرواح ويزرع الأمل. هي قائدة فريق “مسعفو النبض”، وعضو في شبكة “تعاون” العُمانية، ورمزٌ للعطاء الهادئ الذي يترك أثرًا لا يُنسى.
البداية… من الضعف تولد القوة
من هي عبير الرحبية؟ وكيف بدأت رحلتك في مجال الإسعاف والعمل التطوعي؟
تقول عبير:
“أنا متطوعة وممرضة قبل كل شيء. حصلت على الرخصة الدولية في الإسعافات الأولية، ثم تابعت شغفي للحصول على رخصة مدرب إسعافات أولية. يحركني شغف كبير بخدمة المجتمع ونشر الوعي بثقافة التطوع والإسعاف، وهذا ما دفعني لتأسيس فريق مسعفو النبض.”
وتضيف بابتسامة يملؤها الإيمان:
“بدأت رحلتي بعد تجربة شخصية مؤلمة؛ مرض أقعدني أسابيع في الفراش. هناك، أدركت هشاشة الحياة وسألت نفسي:
لو كانت هذه المحطة الأخيرة، ماذا تركت خلفي؟ ومنذ أن تعافيت، قررت أن أترك أثرًا طيبًا في قلوب الناس، وها أنا اليوم أقود فريقًا يُنقذ الأرواح ويُحيي الأمل.”
الإلهام رسالة إنسانية تتجاوز الصعوبات
ما الذي ألهمك لاختيار هذا المجال الإنساني رغم صعوبته؟
تجيبُ بثقة:
“الإلهام جاء من الإحساس العميق بالمسؤولية تجاه الآخرين. فالحياة مليئة بالمواقف التي يمكن أن يكون فيها التدخل السريع الفرق بين الحياة والموت. أن أكون سببًا في إنقاذ شخص أو تخفيف ألمه، وأن أنقل هذا العلم لغيري فيصبحوا هم أيضًا سببًا في إنقاذ آخرين — هذا ما يدفعني للاستمرار مهما كانت التحديات.”
لحظة لا تُنسى
ما هو أكثر موقف إنساني أثّر فيك خلال عملك التطوعي ولا زال عالقًا في ذاكرتك؟
“لن أنسى اتصال أمٍ تبكي وتشكرني قائلة:
لولا الله تعالى وما تعلمته في ورشة الأسبوع الماضي، كنت فقدت طفلي بعد ما اختنق عليّ في البيت. تلك الكلمات اخترقت قلبي، وبكيت حينها بحرقة، لأني شعرت أنني فعلًا أحدث فرقًا حقيقيًا بمعلومة بسيطة قد تنقذ حياة.”
قيادة بين الحزم والرحمة
كيف توزنين بين الحزم والرحمة أثناء قيادة فريقك؟
تقول بابتسامة هادئة:
“قال لي قائدي ذات مرة: أنتِ إنسانة عاطفية لكن قوية، وهذا المزيج يجعلك فريدة وقادرة على مواجهة الصعاب. وأنا أؤمن أن هذا التوازن بين القوة والرحمة هو ما يصنع القائد الحقيقي. أحرص دائمًا على أن أكون قريبة من أعضاء فريقي، أستمع لهم، وأعاملهم كعائلة لا كأفراد متطوعين.”
تحديات امرأة في الميدان
ما أبرز التحديات التي واجهتك كامرأة تعمل في مجال الإسعاف؟ وكيف تجاوزتِها؟
“من أبرز التحديات كانت النظرة المسبقة بأن العمل الميداني والإسعافات الأولية صعب على المرأة أو يختلف عن التمريض.
لكن خبرتي كممرضة في قسم الطوارئ والعناية المركزة منحتني رؤية عملية وواسعة.
تعلمت أن التدخل الصحيح قد ينقل إنسانًا من مرحلة الخطر إلى النجاة. تجاوزت التحديات بالثقة بالنفس، والاستمرار في التدريب، وإثبات الكفاءة في الميدان.”
ثقافة التطوع في عُمان واقع يتطور
كيف ترين تطور ثقافة التطوع في السلطنة خلال السنوات الأخيرة؟
“شهدت السلطنة نقلة نوعية في الوعي المجتمعي حول العمل التطوعي. نرى اليوم مؤسسات ومنصات تنظم العمل التطوعي وتدعم المتطوعين. وأخص بالذكر شبكة تعاون، التي أسهمت ببرامج نوعية لتدريب وتأهيل المتطوعين من مختلف الأعمار، وهي نموذج يُحتذى به في تنظيم وتطوير هذا المجال.”
صفات المتطوع الناجح
ما الصفات التي تعتبرينها أساسية في أي متطوع ناجح؟
“الصفة الأهم هي أن يجد المتطوع لذة العطاء. حين يجد الإنسان راحته في خدمة الآخرين، يصبح التطوع بالنسبة له جزءًا من ذاته لا واجبًا. المتطوع الناجح هو من يرى في كل تجربة فرصة للتعلم وخدمة الناس، لا مهمة مؤقتة.”
رسالة عبير للشباب
ما رسالتك للشباب والفتيات الراغبين في دخول مجال العمل التطوعي؟
“ابدأوا بخطوة صغيرة ولكن بنية صادقة.
التطوع ليس فقط خدمة للآخرين، بل هو أيضًا رحلة لاكتشاف الذات وتنمية المهارات وبناء العلاقات. كل عملٍ خيري، مهما بدا بسيطًا، يصنع فرقًا كبيرًا إذا نُفذ بروح المسؤولية والشغف وحب العطاء.”
وفي الختام:
عبير الرحبية ليست مجرد ممرضة أو قائدة فريق، بل امرأة آمنت أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالكلمات بل بالأرواح التي تنجو. في كل دورة تدريبية، وفي كل مهمة ميدانية، تزرع عبير درسًا في العطاء. درسًا عنوانه: «الحياة تستحق أن تُعاش حين تكون سببًا في استمرار حياة الآخرين.



