بقلم: د. طالب بن خليفة الهطالي

ما أبهى الجرح حين يتشح بأنفة تصون كرامته وتمنعه من الانحناء أمام الوجع، فيغدو علامة قوة لا رمز ضعف، ويبوح بما لا تقدر الكلمات على قوله؛ فبعض الجراح لا تنزف دمًا بل تفيض وعيا، وبعض الألم لا يدمر بل ينضج، لأن في الجرح الصادق بصيرة تصفي الروح من شوائبها وتعيد ترتيبها على موازين الصبر والسكينة؛ إن الجرح الذي يتحدث بلغة العزة لا يصرخ ولا يستعطف، بل يهمس بصوت مطمئن أن ما يكسر في الجسد يجبر في الروح، وأن الخسارات الحقيقية ليست في الفقد، بل في أن نفقد إيماننا بمعنى ما نتألم لأجله.
فالألم حين يمسك بيد الإيمان يتحول إلى نور وحين يقترن بالصبر يصبح طريقا إلى الرفعة، وحين يمتزج بالعزة يغدو وعيا لا وجعا، لأنه يكشف للإنسان أن العزة ليست صلابة فارغة بل سكونا شامخا، وأن البأس لا يكون في شدة الصوت بل في عمق الثبات؛ وهكذا فإن الجرح الذي يتحدث بعزة لا يتحدث عن ذاته، بل عن جوهر الإنسان فيه عن تلك القوة الهادئة التي تجعل من الانكسار انبعاثا، ومن الألم ميلادا جديدا، ومن الوجع طريقا إلى الله.
ليس الصمت في حضرة الجراح ضعفا، بل هو اللغة الأبلغ حين تعجز الحروف عن احتواء الوجع، فالجرح الإنساني في جوهره ليس حدثا عابرا في الجسد، بل تجربة روحية عميقة تعيد صياغة الإنسان من داخله وتكشف مدى نضجه وصدقه مع ذات، ففي لحظات الألم تنكشف الأقنعة ويتجلى الإنسان في صورته الحقيقية لا كما يبدو للناس؛ بل كما يراه الله في خلوته وضعفه ودموعه المكتومة، إن الصمت هنا ليس انسحابا من الحياة بل تأمل في معناها، ورفض لأن يتحول الوجع إلى ضجيج يبدد وقار التجربة، فكم من جراح ناطقة بلا صوت تعلمنا أكثر مما تعلمنا الخطب، وكم من ألم خفي كان طريقا إلى معرفة لا تدرك إلا بالوجيب الداخلي الذي لا يسمعه إلا القلب، وفي عمق الصمت ينحت المعنى وفي ظلال الجرح تتشكل الحكمة، لأن الألم إذا لم ينضج الوعي بقي عبثا، وإذا لم يطهر النفس صار عذابا لا ثمرة له ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ ما يفتح بصيرة الإنسان على المعنى الحقيقي للصبر، فالصبر في ميزان الروح ليس تجميدا للعاطفة ولا قبولا بالمهانة، بل وعي بأن لكل جرح غاية ولكل نزف رسالة، ولكل وجع بابا يفتح على نور خفيٍ لا تراه إلا القلوب التي أحسنت الظن بربها، إن الجرح الإنساني حين يصان بالصمت النبيل لا يفقد صوته، بل يتحول إلى ضمير ناطق بالعزة، يذكرنا أن القوة ليست في الصراخ، بل في أن نحمل الألم برفق دون أن نحمل الحقد معه وأن نبقي على نقائنا رغم ما خذلتنا به الحياة.
ليس النهوض بعد الألم حدثا، بل ولادة جديدة تكتب بالحروف التي رسمها الوجع في القلب، فحين يهدأ الصراع بين الداخل والخارج، يخرج الإنسان من جرحه أكثر اتزانا وأشد وعيا، كمن عاد من رحلة بعيدة في صحراء نفسه، يحمل منها أثر العطش وعبق الصبر وشيئا من البصيرة التي لا تشترى بالراحة، فالألم لا يعلمنا كيف نعيش، بل كيف ننهض وكيف نعيد بناءنا من الحطام دون أن نفقد ملامحنا الأولى، إن الجرح الشريف لا يورث كراهية بل يُبتّ رحمة، لأن من عرف الوجع لا يحب أن يراه في غيره، ومن تذوق الانكسار لا يسعى إلى إذلال أحد لذلك كانت الجراح في حياة الإنسان ليست عثرة بل مرقاة، بها يصعد إلى فضاءات من النضج، ويكتشف في قلبه مساحة لم يكن يعلم بوجودها.
إن النهوض بعد الألم ليس حركة جسد يخرج من تعب، بل فعل روح عرفت معناها في الشقاء، وذاقت مرارة الصبر حتى صار لسانها رطبا بالرضا، فكل جرح ينقي، وكل سقوط يعلّم وكل دمعة صادقة تفتح بها أبواب الحكمة، ومن لا ينهض بعد وجعه يبقى حبيس لحظة واحدة جمد فيها الزمن، بينما الحياة تمضي لتكافئ من أحسن الفهم عن الله، ومن رأى في البلاء تربية لا عقوبة، وفي الوجع نعمة لا نقمة، والنهوض لا يعني نسيان الألم بل حمله بوعي جميل لا يشكو ولا يجحد، لأن الذاكرة التي تطهرها الكرامة لا تتقرح من الماضي بل تضيء به.
إن النهوض الحق هو أن يتعلم الإنسان كيف يربي من جرحه جناحا، وكيف يعيد من رماده دفء المعنى، ومن فهم رسائل الله في البلاء لم يعد يرى في الألم خسارة، بل يرى فيه طريقا للثبات، ومساحة للنقاء، ودليلا على أن في داخله روحا لا تنكسر لذلك فالعزة لا تنبت في أرض رخوة، بل في أرض شقها الجرح وسقاها الدمع، ثم أزهرت سلاما، إنها فلسفة الجراح الكريمة لا تتركنا كما كنا، بل تعيدنا إلينا أكثر صدقا وأعمق فهما وأقرب إلى الله.
حين يتحدث الجرح بلغة العزة لا يعود الألم خصما للحياة، بل يصبح وجهها الآخر الذي يعلّم الإنسان كيف يرى بنور أعمق ويشعر بنقاء أكبر، ولهذا فإن الجراح التي تبقي في القلب أثرها ليست لعنة، بل ميثاق خفي بين الإنسان وربه، يذكّره أن العزة لا تولد من الرخاء، وأن القوة لا تصاغ في ميادين السلام، بل في دهاليز الوجع حيث يختبر الصبر ويوزن الإيمان بميزان الخفاء، وما أجمل أن يتعلم المرء كيف ينهض من جرحه دون أن يجرح، وكيف يصون كرامته دون أن يهين، وكيف يحمل ألمه كمن يحمل رسالة، لا كمن يحمل عبئا، فالأرواح الكبيرة لا تقاس بعدد ما تصاب به، بل بقدرتها على أن تضيء بعد كل انطفاء.
وليس في الأرض جرح بلا حكمة، فالله لا يبتلي ليعذب بل ليعلم، ولا يكسر ليفني بل ليعيد بناء أصدق وأبهى، ومن أدرك هذه الحقيقة لم يعد الألم عنده نقيض الفرح، والفرح الحقيقي لا يعرفه إلا من عبر بوابة الوجع ولم يفقد إيمانه بأن للسماء تدبيرا لا يراه إلا الصابرون ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ومن هنا يمكن القول إن الكرامة ليست تاجا يمنح، بل طريقا يشق بالدمع والصبر، وإن العزة لا تكتسب بالقوة بل تستمد من الإيمان الذي لا ينكسر.
الإنسان الذي يتعلم كيف يسمع جرحه حين يتحدث بعزة لا يعود بحاجة إلى أن يثبت شيئا لأحد، لأن صمته يصبح برهانا ووقاره حجة وابتسامته رغم الوجع، وهو صورة من نبل الوعي وسمو الروح، وهكذا فإن الجرح الشريف هو معراج الإنسان نحو إنسانيته، والباب الذي يطل منه على معنى أوسع للرحمة، وأبهى للكرامة وأعمق للعزة، فالذين خرجوا من الجراح أنقياء لم يعودوا كما كانوا، بل صاروا أكثر إدراكا لقيمة النور في آخر النفق، وأكثر يقينا بأن الله ما كتب الألم إلا ليفتح به طريقا إلى النهوض.



