طَرَفَةُ بن العبد.. الشاعر الذي حمل موته بيده

لم يكن طرفة بن العبد شاعرًا عاديًا في سجل الجاهلية، بل كان فتىً سابقًا لعمره، ولسانه أسبق من حِلمه، قال الشعر وهو لم يبلغ أشدّه، وقاله كما يُقال السيف: صريحًا، جارحًا، لا يعرف المداراة، وكانت تلك أول خطاياه… وآخرها.

دخل طرفة بلاط عمرو بن هند، ملك الحيرة، فوجد مجلسًا لا يحتمل السخرية، ولا يغفر الذكاء إذا جاوز حدّه، غير أن الشاعر الشاب لم يُحسن الصمت، فجعل من الملك مادةً للهجاء، ومن خاصته هدفًا للتندر، حتى ضاق به الصدر الملكي.

وكان طرفة يعلم، في قرارة نفسه، أن الكلمة إذا خرجت لا تعود، فقال بيته الشهير كأنه يوقّع اعترافًا مسبقًا بالمصير:

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحُسامِ المُهنّدِ

ثم مضى في معلقته، غير هيّاب من قِصر العمر، فقال كلمته التي صارت وصيّة شعراء:

لَعَمرُكَ إنَّ الموتَ ما أخطأَ الفتى
لكالطِّوَلِ المُرخى وثِنياهُ باليدِ

وكأن الموت عنده حبلٌ مُرخى، لا يُعرف متى يُشدّ، لكنه آتٍ لا محالة.

وحين أراد عمرو بن هند الخلاص منه، لم يسفك دمه بيده، بل سلّمه رسالة مختومة إلى عامله في البحرين، وقال له: “أدِّها بأمانة”. ولم يكن يعلم الشاعر — أو لعلّه علم وسكت — أن الرسالة كانت أمرًا بقتله.

حمل طرفة كتاب موته، ومضى به فرِحًا، يردّد الشعر في الطريق، حتى بلغ العامل، فقرأ الكتاب، ونفّذ الحكم، فمات الشاعر شابًا، قبل أن يكتمل صوته، لكن بعد أن اكتملت جرأته.

وهكذا دخل طرفة التاريخ لا بوصفه شاعر المعلّقة فحسب، بل بوصفه أبلغ مثال على أن اللسان قد يسبق العمر، وأن الشعر إذا لم يُحسَب، صار حكمًا بالإعدام.