أبطال مجهولون، غيَّروا وجه العالم

بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية

اسمي إميلي…عمري خمسة وعشرون عامًا، ممرضة جديدة في دار رعاية صغيرة، خارج دايتون بولاية أوهايو، كنت أظن أنني سُجلت لأوزع الحبوب، وأراجع الملفات الطبية، لكنني تعلمت أن أقوى دواء قد يكون بعض الكلمات، إذ كان هناك شخص آخر هنا علمني أكثر مما يمكن أن يعلمه أي كتاب فى كلية التمريض، اسمها ماري،لم تكن ممرضة ولا طبيبة ولا حتى من طاقم الرعاية، ماري كانت عاملة نظافة، عمرها ثمانية وستون عامًا، دائمًا ترتدي نفس السترة الخضراء الباهتة حتى في الصيف، تتحرك ببطء، تدفع عدتها في الممر بعجلاتها الصدئة، ودلو المسح شبه المكسور، لكن ماري كان لديها عادة هادئة، ففي كل صباح بعد أن تنتهي من تنظيف الغرف، تجلس بضع دقائق بجوار سرير أحد المرضى، تخرج دفترًا صغيرًا من جيبها، تمزق ورقة وتكتب شيئًا، تطويها، وتتركها على الطاولة بجوار السرير، في البداية ظننت أنها مجرد تأكيدات، “أشرب المزيد من الماء” لا تنس العلاج الطبيعي”؛ لكن يومًا ما نظرت خلسة، لم تكن تعليمات، بل كانت كلمات “أنت لست منسيًا” “قصتك لها قيمة “، “هناك من يهتم لأمرك”، هي كلمات بسيطة، لكن عندما كان يجدها المرضى، كنت أرى شيئًا يتغير، التجاعيد المتصلبة تلين، دمعة تتلألا، يد تمسك تلك القصاصة وكأنها قطعة من الذهب، لم أفهم لماذا تفعل ذلك؟ حتى جاء اليوم الذي مر فيه السيد جونسون بيوم سيئ، هو في الثانية والثمانين، مصاب بالزهايمر، معظم الأيام يجلس يحدّق في النافدة، لكن ذلك العصر جاءت ابنته لزيارته، أمسكت بيده وهمست: “إنها أنا يا أبي… ابنتك” نظر خائفًا، ثم غاضبًا، من أنتِ ؟ أين زوجتي ؟ بدأ يبكي كبكاء طفل فقد أمه، تحطمت ابنته، ركضت خارجة وهي تبكي، وأنا تجمدت عند الباب، عاجزة، لكن ماري كانت هناك، قد أنهت دوامها، وعندما سمعته دخلت الغرفة جلست بجانبه أخرجت دفترها، كتبت شيئًا وطوت الورقة، ووضعتها في يده، فتحها وتتبعت عيناه الكلمات”سارة تحبك دائمًا”.
للحظة توقف ارتجافه، هدأ تنفسه ارتجفت شفتاه، وهمس:”سارة… سارة”. اسم زوجته الراحلة منذ عشر سنوات، ثم أغمض عينيه وانقشعت العاصفة. سألتها لاحقًا : لماذا تفعلين هذا يا ماري، لماذا تكتبين هذه الملاحظات؟ أطرقت، تعبث بأصابعها، ثم قالت أخيرًا: أمي عاشت في هذا الجناح، مصابة بالزهايمر، لم تتذكرني، ولم تعد تستطيع الكلام حتى ظننت أنها رحلت، لكن يومًا ما وجدت ورقة على طاولتها، مكتوب عليها: “أنت مُحبة” لم أعرف من كتبها لكنها كانت آخر شيء بقي عندي منها، آخر دليل أنها ما زالت تشعر بي، حملت تلك الذكرى طوال حياتي. والآن… أحاول فقط أن أنقلها للآخرين..ثم ذهبت.
كلما دخلت غرفة السيد جونسون كنت أشاهد تلك الورقة مطوية على طاولته، متجعدة قديمة حوافها، أتأملها وأفكر فى مدى هشاشتنا جميعًا.
ففي عالم ملىء بالآلات والمراقبة والاندفاع المستمر، ما قد ينقذنا ربما ليس الدواء
بل إنسان يذكَّر إنسانا آخر: “أنه ما زال مهمًا”. نَقلتُ القصة بتصرف من حساب.farid alshahwarzi.

لمسنا في هذه القصة أن قصاصة ورقية صغيرة ببعض كلمات، كفيلة بأن تلمس قلوب الآخرين بعمق، وتعيد لهم شعورهم بالحياة، وأن التأثير لا يُقاس بالمنصب أو الثروة أو الشهرة الواسعة، ولا يحتاج إلى أدواتٍ متطورة، أو ميزانيات ضخمة، أو بروتوكولات معقدة، فأفعالٌ صغيرة ممكن أن تؤدي إلى تغيرات كبيرة، وتأثير عظيم. فالمخترع الذي لم يحصل على الشهرة ​بينما هو من المبتكرين الذين قاموا بتطوير جزء صغير لكنه حاسم في تكنولوجيا معينة (مثل جزء في برنامج كمبيوتر أو تحسين أداة طبية) ولم يحصلوا على شهرة واسعة، قد يكون اختراعهم الصغير هو ما أضاف جزءًا تقنيًا مهمًا في برنامج كمبيوتر، وتحسينًا دقيقًا في أداة طبية أنقذت حياة الآلاف، لكنهم يبقون مغمورين خلف أسماء الشركات الكبرى بينما هم كان تأثيرهم ضخمًا، والمعلم الذي يعمل في مدرسة بسيطة، ولا تظهر صورته في وسائل الإعلام، قادر على غرس حب العلم والقيم والمبادئ الأخلاقية في نفوس مئات الطلاب الذين يصبحون قادة وعلماء وأطباء في المستقبل، ويظل أثره يتضاعف ويتشعب عبر الأجيال. والجار المسن الذي يحرص على تنظيف الشارع أمام منزله، و السيدة التي تطعم القطط الضالة، والشاب الذي يتطوع بوقته لمساعدة كبار السن في الحي، هؤلاء الأشخاص يبثّون ثقافة الرحمة والمسؤولية في محيطهم، فأفعالهم الصغيرة تُلهم الآخرين للقيام بالمثل، وتحوِّل الحي أو المجتمع إلى مكان أفضل وأكثر تماسكًا.

تأثيرهم هو تأثير تراكمي يغير السلوك العام ببطء وثبات، حتى أن هناك أفعال بسيطة أو ما يسميها البعض بتأثير الفراشة كابتسامة صادقة، كلمة طيبة، مساعدة بسيطة في العمل، أو نشر معلومة مفيدة، هذه الأفعال الصغيرة والمتراكمة تخلق موجة من الإيجابية ينتقل تأثيرها من شخص لآخر.

عزيري القارىء: عندما يستفيد شخص من عملك أو سلوكك أو كلمتك بعد رحيلك، تأكد أنه سيستمر وصول الأجر لك دون انقطاع، كل دعاء بالخير يصدر من شخص تأثر بعملك يرفع من درجاتك ويضاعف حسناتك، يُعد الذكر الحسن جزءًا من النعيم المعنوي بعد الموت، وأن تُذكر بالخير يعني أنك لم تمت تمامًا في وعي الآخرين كما أنك ستكون مصدر إلهامٍ لهم ليحذوا حذوك.

ومن هنا أنا أدعوك أن تبدأ بمبادرة صغيرة في حيِّك أو مكان عملك، نظَّم حملة لتنظيف حديقة، أو قدم دروس تقوية مجانية لأبناء الجيران، أو نظِّم حلقات توعية فعّالة لتحويل الشكاوى إلى حلول عملية، لتنتقل بالجميع من مربع التذمر إلى دائرة الفعل الإيجابي. كن أنت صاحب المبادرة الذي يقدم حلًا عمليًا ومحدودًا للمشكلة، واصنع الأثر لأجل الأثر ذاته، وليس لأجل الشهرة أو المقابل المادي، واجعل لك نية صادقة، فالنية الصادقة هي ما يكتب القبول والانتشار للعمل.

وأخيرًا: إن قوة الأثر لا تسكن في الأعمال الضخمة التي تُسلَّط عليها الأضواء، وتذكر في وسائل الإعلام العالمية، بل إنها أيضًا تكمن في الأفعال الصغيرة المؤثرة، كن أنت البطل المجهول الذي لا يبحث عن الضوء، فإنه يمكن لهذه الأفعال الصامتة وحدها، أن تصنع أثرًا عظيمًا، كن صاحب بصمة خفية، واعلم أنك وإن غبت عن أنظار البشر، فأثرك العظيم باقٍ ومكتوب عند من لا يضيع عنده أجر عامل، وازرع خيرًا صامتًا، وانتظر حصادًا عظيمًا..ومن هذه اللحظة فكِّر ما هو الأثر الذي تريد أن تتركه؟